تقارير

من ووهان إلى بيرغامو.. هكذا تحولت إيطاليا إلى أكبر بؤرة لفيروس كورونا في العالم

تقرير من ميلانو عن بدايات موجة كورونا الأولى في إيطاليا سنة 2020، من كودونيو وبيرغامو إلى ضغط المستشفيات والجدل حول مباراة أتالانتا وفالنسيا.
إقليم "لومبارديا" الشمالي سجل يوم 20 فيفري الفارط أول حالة عدوى في إيطاليا

(خاص-سوسن برينيس-ميلانو) كيف دخل فيروس كورونا إلى إيطاليا؟ وكيف انتشر محليا رغم قرار الحكومة في 30 يناير 2020 تعليق الرحلات المباشرة بين إيطاليا والصين عقب تأكيد أول حالتين مستوردتين في روما؟ ثم هل تسبب التردد في إغلاق منطقة “بيرغامو” من إقليم “لومبارديا” لأهميتها الصناعية في تسريع تفشي الوباء؟

أسئلة كثيرة كانت بلا أجوبة واضحة في قلب عاصفة كورونا التي ضربت إيطاليا بلا هوادة خلال الموجة الأولى من الجائحة، حين لم يكن صوت يعلو فوق تعداد الأرقام المخيفة للضحايا والمصابين بالعدوى، بانتظار بارقة أمل اختزلت في رؤية المنحنى التصاعدي للعدوى يبلغ أوجه ثم يبدأ بالنزول.

في 21 فيفري 2020 أكد المعهد العالي للصحة في إيطاليا أول حالة انتقال محلي للفيروس في كودونيو، وهي بلدة تتبع مدينة لودي في إقليم لومبارديا الشمالي. الحالة التي عُرفت إعلاميا باسم “المريض 1” وصلت إلى المستشفى في حالة التهاب حاد في الرئتين وقصور في وظائف التنفس. وقد تعامل الإطار الطبي معها في البداية قبل أن يتضح أنها مرتبطة بكوفيد-19، ما ساهم في تعريض أطباء وممرضين ومرضى لخطر العدوى. وبعد ذلك أعلنت الحكومة كودونيو وتسع بلدات محيطة بها منطقة حمراء يمنع الدخول إليها والخروج منها، وأغلقت المدارس والجامعات في إقليم لومبارديا بهدف محاصرة التفشي.

كودونيو شهدت في فبراير 2020 أول حالة مؤكدة من الانتقال المحلي لفيروس كورونا في إيطاليا
كودونيو شهدت في فبراير 2020 أول حالة مؤكدة من الانتقال المحلي لفيروس كورونا في إيطاليا

إلا أن بؤرة أخرى اشتعلت في البلدات المحيطة بمدينة بيرغامو من نفس إقليم لومبارديا، مع تصاعد الإصابات والوفيات بوتيرة حادة. وأصبحت مباراة ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا بين أتالانتا، فريق بيرغامو، وفالنسيا الإسباني يوم 19 فيفري في ملعب سان سيرو بميلانو رمزا لتلك المرحلة، بعدما حضرها عشرات الآلاف من المشجعين.

وفرت تلك المباراة، شأنها شأن أي تجمع جماهيري كبير في تلك الظروف، بيئة ملائمة لانتقال الفيروس وربما ساهمت في تضخيم التفشي. لكن الدراسات التي ظهرت لاحقا لا تسمح باعتبارها السبب الوحيد المثبت لما حدث في بيرغامو، إذ كان الفيروس ينتشر بصمت قبل اكتشاف البؤرة، وتشير تحليلات لاحقة إلى أن تصاعد العدوى بدأ قبل المباراة بالفعل.

طلبت سلطات إقليم لومبارديا تشديد القيود على المناطق الأكثر تضررا حول بيرغامو، في وقت كانت فيه الاعتبارات الصحية تتقاطع مع أهمية المنطقة الصناعية والاقتصادية. ومع تصاعد أعداد الضحايا والمصابين، وسعت الحكومة في 8 مارس نطاق القيود ليشمل مساحات واسعة من شمال البلاد، قبل أن تعلن بعد ذلك الحجر الصحي على كامل التراب الإيطالي.

ورغم مسارعة الآلاف من أصيلي الوسط والجنوب الإيطالي من طلبة وعمال وموظفين بمغادرة مدن الشمال قبل إغلاقها، إلا أن الأمر لم يستغرق سوى وقت قصير قبل أن تدخل إيطاليا كلها في إجراءات غير مسبوقة، وسط توقف واسع للرحلات وعزلة فرضتها الأزمة الصحية العالمية.

إيطاليا خلال الموجة الأولى من جائحة كورونا سنة 2020
إيطاليا خلال الموجة الأولى من جائحة كورونا سنة 2020

هذا التصاعد المخيف في تفشي الفيروس وضع النظام الصحي الإيطالي في موضع اختبار قاس. ففي أيام مارس 2020 اقترب عدد الإصابات المسجلة من 70 ألفا وتجاوز عدد الوفيات ستة آلاف، وهي أرقام كانت آنذاك من الأعلى عالميا. ووجدت مستشفيات الشمال الإيطالي نفسها تحت ضغط شديد، ما اضطر السلطات إلى التوسع في أقسام الإنعاش وإقامة مرافق ميدانية والاستعانة بالجيش في بعض المهام اللوجستية.

لماذا كانت أعداد الوفيات مرتفعة إلى هذا الحد؟ كان التركيب العمري للسكان أحد العوامل المهمة، إذ يتميز المجتمع الإيطالي بنسبة مرتفعة من كبار السن، وكانت لومبارديا تضم ملايين السكان ممن تجاوزوا 65 عاما. وقد ظهر منذ الأشهر الأولى للجائحة أن خطر الإصابة الشديدة والوفاة يرتفع مع العمر ومع وجود أمراض مزمنة وعوامل صحية أخرى، وليس بسبب “ضعف المناعة” وحده.

الجانب المشرق وسط الأزمة كان الشعور بالتضامن والوحدة بين الإيطاليين والعرفان بتضحيات الأطر الطبية التي دفعت ثمنا باهظا خلال الأسابيع الأولى. وفي المقابل، فتحت الكارثة نقاشا طويلا حول جاهزية النظام الصحي وقرارات السلطات وتوقيت القيود ودروس الاستعداد للأوبئة.

مصادر

وزارة الخارجية الإيطالية — قرار تعليق الحركة الجوية بين إيطاليا والصين في 30 يناير 2020.
Istituto Superiore di Sanità — توثيق أول حالة انتقال محلي في لومبارديا في فبراير 2020.
دراسات منشورة حول التجمعات الرياضية وانتقال SARS‑CoV‑2 ومباراة أتالانتا–فالنسيا.

اخترنا لكم