تقارير

من اخترع الكسكسي؟ ماذا تقول الآثار والمصادر عن أصل الطبق المغاربي وانتشاره؟

مراجعة تاريخية موثقة لأصل الكسكسي المغاربي: ماذا تكشف أواني سوسة الرومانية؟ متى وصل الكسكسي إلى المشرق؟ ولماذا لا يمكن نسب اختراعه إلى دولة حديثة واحدة؟ مع توثيق مباشر من ملفات اليونسكو.
طبق كسكسي تونسي تقليدي باللحم والحمص والخضروات
كسكسي تونسي باللحم والخضروات.

ملاحظة تحريرية: هذا المقال يتناول أصل الكسكسي وتاريخه المغاربي فقط. أما الأنواع التونسية وطريقة التفوير والتحضير والوصفات الجهوية فتجدها في دليلنا المستقل عن الكسكسي التونسي: تاريخه وأنواعه وطريقة تحضيره.

تاريخ الكسكسي المغاربي أقدم وأكثر تعقيدا من أن يُختزل في قصة تقول إن دولة حديثة بعينها «اخترعت» الطبق. ما يمكن توثيقه بثقة هو أن الكسكسي ارتبط بالمغرب الكبير وبالمعارف الزراعية والمنزلية لشعوب شمال أفريقيا، وأن تقنيات تحويل السميد إلى حبيبات وطبخها بالبخار تطورت وانتقلت عبر قرون قبل تشكل الحدود الوطنية الحالية.

هل نعرف أين ظهر الكسكسي لأول مرة؟

لا توجد وثيقة تاريخية واحدة تسمح بتحديد يوم أو مدينة أو شخص يمكن وصفه بأنه «مخترع الكسكسي». ملف الترشيح المشترك لليونسكو نفسه يعرض تاريخ الطبق بوصفه نتيجة تطور طويل للزراعة وتقنيات معالجة الحبوب في شمال أفريقيا. ويذكر أن الكسكسي لا يظهر بالاسم في المصادر القديمة، لذلك يجب التمييز بين وجود أوان وتقنيات شبيهة بالتبخير وبين إثبات وجود الطبق بصورته المعروفة اليوم.

ماذا تقول الآثار في تونس؟

من أكثر الشواهد إثارة للاهتمام ما ورد في ملف اليونسكو عن حفريات هدروميتوم، سوسة الحالية، حيث عُثر على أوان ذات قاع مثقوب تعود إلى الفترة الرومانية بين القرنين الثاني والثالث للميلاد وتشبه من حيث الوظيفة أواني التبخير. لكن وجود هذه الأواني ليس دليلا قاطعا وحده على أن الكسكسي الحديث كان يُحضّر آنذاك؛ فالملف نفسه يوضح أن المصادر القديمة لا تذكر الطبق بالاسم.

المصدر: ملف ترشيح الكسكسي إلى اليونسكو.

من الحبوب إلى السميد ثم إلى تقنية التبخير

لفهم تاريخ الكسكسي يجب النظر أولا إلى تاريخ الحبوب. القمح الصلب مناسب لإنتاج السميد، والسميد يمكن ترطيبه تدريجيا ودحرجته باليد حتى تتكون حبيبات صغيرة ثم غربلتها وتجفيفها أو طبخها بالبخار. وتصف اليونسكو إعداد الكسكسي باعتباره سلسلة من المعارف والمهارات تبدأ بزراعة الحبوب وطحنها، ثم دحرجة السميد يدويا وتبخيره وطبخه.

هذه النقطة مهمة لأن الكسكسي لم يكن تاريخيا مجرد «وصفة» بمقادير ثابتة، بل تقنية غذائية ومعرفة منزلية تسمح بتحويل الحبوب إلى منتج قابل للحفظ ثم تقديمه مع مكونات تختلف باختلاف البيئة والموسم والمناسبة.

ما علاقة الأمازيغ بتاريخ الكسكسي؟

تربط المصادر التاريخية الحديثة الكسكسي بقوة بالمجال الأمازيغي وشمال أفريقيا. وتصف اليونسكو في مادة عن المطبخ العربي الوسيط الكسكسي بأنه اختصاص أمازيغي انتقل من الغرب الإسلامي إلى المشرق بحلول القرن الثالث عشر. وهذا يقدم دليلا أوضح من الروايات الشعبية على أن الطبق كان معروفا خارج موطنه المغاربي في العصور الوسطى.

المصدر: UNESCO – A thousand and one ingredients.

هل «عبرت القوافل» بالكسكسي؟

تربط روايات كثيرة انتشار الكسكسي مباشرة بالقوافل الصحراوية، لكن من الصعب إثبات مسار واحد محدد بهذه البساطة. الأوثق هو أن شمال أفريقيا عرفت عبر قرون شبكات تجارة وهجرة وانتقال للمكونات والتقنيات، وأن الكسكسي نفسه انتشر خارج المغرب الكبير. لذلك من الأدق القول إن حركة الناس والتجارة والتبادل الثقافي ساعدت على اتساع دائرة الطبق، لا أن ننسب انتشاره إلى طريق قوافل واحد من دون وثيقة محددة.

لماذا تختلف وصفاته بين تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا؟

لأن اليونسكو لا تتعامل مع الكسكسي بوصفه وصفة موحدة. الخضر واللحوم وطريقة التقديم تختلف بحسب المنطقة والموسم والمناسبة، بينما يبقى جوهر المهارة متشابها: إعداد حبيبات السميد ثم طبخها بالبخار. ولهذا يمكن أن نجد كسكسي السمك في تونس، وصيغا بالخضر واللحم في مناطق متعددة من الجزائر والمغرب، وتقاليد مختلفة في موريتانيا، من دون أن يلغي ذلك الأصل الثقافي المشترك للممارسة.

شاهد أيضا: كسكسي الحاجة الزينة بلحم العلوش

2020: أربع دول تسجل تراثا مشتركا

في سنة 2020 أدرجت اليونسكو «المعارف والمهارات والممارسات المتعلقة بإنتاج الكسكسي واستهلاكه» ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بملف مشترك بين تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. ولم تسجل المنظمة «ملكية» الطبق لدولة واحدة؛ بل سجلت مجموعة من المعارف والأدوات والممارسات الاجتماعية المشتركة.

المصدر: UNESCO Intangible Cultural Heritage.

المرأة ونقل معرفة الكسكسي بين الأجيال

يشدد ملف اليونسكو على انتقال المعرفة بالملاحظة والتقليد وعلى الدور الخاص الذي تؤديه النساء في ممارسة المهارة ونقلها. فدحرجة السميد، الغربلة، معرفة كمية الماء، فصل الحبيبات والتعامل مع التبخير ليست مجرد خطوات ميكانيكية؛ إنها خبرة تراكمية انتقلت طويلا داخل الأسر والمجتمعات.

شاهد أيضا: الحاجة الزينة تحضر العصبان والكسكسي التونسي

من الممارسة المنزلية إلى المنتج الصناعي

الكسكسي المتاح اليوم في أكياس جاهزة اختصر جانبا كبيرا من العمل المنزلي المرتبط بصناعة الحبيبات، لكنه لم يلغ البعد الثقافي للطبق. وهذا يفسر لماذا ركز تسجيل اليونسكو على المعارف والممارسات وظروف الاستهلاك والأدوات، لا على المنتج الغذائي وحده. فالطبق يعيش في آن واحد كغذاء يومي، وكجزء من المناسبات والولائم والذاكرة العائلية.

شاهد أيضا: طريقة تحضير الكسكسي بالحوت

إذن: لمن ينتمي الكسكسي؟

تاريخيا، السؤال الأدق ليس «أي دولة تملك الكسكسي؟»، بل كيف تشكل هذا التراث داخل فضاء شمال أفريقي مشترك ثم اكتسب لهجات محلية متعددة. الحدود السياسية الحالية أحدث من الطبق نفسه، والملف المشترك لليونسكو يعكس هذه الحقيقة: الاختلاف بين الوصفات لا ينفي المشترك، والمشترك لا يلغي خصوصية كل بلد ومنطقة.

ما الذي نستطيع قوله بثقة؟

  • الكسكسي مرتبط تاريخيا بالمغرب الكبير وشمال أفريقيا.
  • توجد في سوسة أوان رومانية مثقوبة تشبه أدوات التبخير، لكنها ليست دليلا منفردا على وجود الطبق الحديث.
  • المصادر التي راجعتها اليونسكو تشير إلى انتشار الكسكسي من الغرب الإسلامي إلى المشرق بحلول القرن الثالث عشر.
  • اليونسكو سجلت سنة 2020 المعارف والممارسات المرتبطة بالكسكسي بملف مشترك بين أربع دول.
  • لا توجد وثيقة موثوقة تسمح بنسب «اختراع» الكسكسي إلى دولة حديثة واحدة.

الخلاصة: قوة قصة الكسكسي ليست في أسطورة أصل واحدة، بل في استمراره قرونا وقدرته على الانتقال والتكيف. إنه تقنية لتحويل السميد، ووجبة، وذاكرة اجتماعية في الوقت نفسه؛ ولهذا بقي مشتركا مغاربيا مع اختلاف واضح في مذاقه وطقوسه من بلد إلى آخر.

اخترنا لكم