حين يُذكر اسم مجمع بولينا في تونس، قد يفكر كثير من التونسيين مباشرة في الدواجن أو منتجات «المزرعة». لكن خلف الاسم توجد اليوم شبكة صناعية واستثمارية تمتد من الأعلاف والدواجن والصناعات الغذائية إلى مواد البناء والتغليف وتحويل الفولاذ والخدمات والتكنولوجيا، إضافة إلى مساهمات في شركات مدرجة وقطاعات أخرى.
المفارقة أن المجموعة التي بدأت سنة 1967 بمشروع دواجن صغير ورأسمال أولي قدره 15 ألف دينار، بحسب موقعها الرسمي، أصبحت بعد عقود واحدة من أكبر المجموعات الصناعية الخاصة في تونس. وتقول بولينا إنها تعمل اليوم في أكثر من 42 بلدا وتشغل نحو 10 آلاف موظف.
من 15 ألف دينار إلى أكثر من 4 مليارات
في مؤشرات النشاط الخاصة بسنة 2025، أعلنت Poulina Group Holding عن رقم معاملات إجمالي لأنشطة المجموعة بلغ 4.160531 مليار دينار، مقابل 3.912658 مليار دينار سنة 2024، أي بزيادة 6.3%. لكن هذا الرقم ليس هو نفسه رقم الإيرادات في القوائم المالية الموحدة المدققة، لأن مؤشرات النشاط تُجمع على مستوى القطاعات قبل بعض الإلغاءات المحاسبية داخل المجموعة.
في القوائم المالية الموحدة لسنة 2025 بلغت الإيرادات 3.559440 مليار دينار، وبلغ مجموع منتجات الاستغلال 3.569125 مليار دينار، بينما وصلت النتيجة الصافية الموحدة إلى 204.891 مليون دينار مقابل 162.091 مليون دينار في 2024.
هل تساوي بولينا فعلا 2.4% من الاقتصاد التونسي؟
هذه العبارة تحتاج إلى دقة. بحسب المعهد الوطني للإحصاء، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لتونس بأسعار السوق سنة 2025 نحو 171.6421 مليار دينار. وإذا قارنّا به رقم معاملات أنشطة بولينا البالغ 4.1605 مليارات دينار نحصل حسابيا على نحو 2.42%.
لكن لا يجوز تحويل هذه المقارنة إلى قول إن بولينا «تنتج 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي». رقم المعاملات لا يساوي القيمة المضافة التي يُبنى عليها الناتج المحلي. لذلك فالصياغة الأدق هي أن رقم معاملات أنشطة المجموعة يعادل من حيث الحجم نحو 2.4% من قيمة الناتج المحلي التونسي، لا أن هذه النسبة تمثل مساهمتها المباشرة في الناتج.
البداية: شركة دواجن سنة 1967
يرجع تاريخ المجموعة إلى سنة 1967، عندما أسس عبد الوهاب بن عياد المشروع رفقة ستة شركاء، بحسب التاريخ المنشور على الموقع الرسمي للمجموعة. كانت تربية الدواجن الصناعية في تونس ما تزال محدودة مقارنة بما أصبحت عليه لاحقا، وانطلق المشروع من محاولة بناء نشاط حديث في تربية الدواجن.
ما غيّر حجم بولينا لاحقا لم يكن نمو نشاط الدواجن وحده، بل اعتماد التكامل العمودي والأفقي. فبدلا من شراء كل احتياجاتها من خارج المجموعة، توسعت تدريجيا إلى حلقات مختلفة من السلسلة: الأعلاف، التفريخ، التربية، الذبح، تحويل اللحوم، التبريد، التغليف، النقل والتوزيع، ثم إلى صناعات وخدمات أخرى مرتبطة باحتياجات المجموعة أو بفرص استثمارية جديدة.
وتذكر بولينا في تاريخها الرسمي أنها بدأت اعتماد استراتيجية التكامل العمودي والأفقي منذ بداية السبعينات، ثم أسست سنة 1978 شركة GIPA، في محطة مهمة لتوسعها داخل الصناعات الغذائية الموجهة للمستهلك.
الغذاء والدواجن ما زالا قلب المجموعة
رغم التنوع الكبير في أنشطة بولينا، ما يزال الغذاء والدواجن يمثلان الجزء الأكبر من أعمالها. وتظهر مؤشرات النشاط الرسمية لسنة 2025 أن قطاع الصناعات الغذائية سجل رقم معاملات بلغ نحو 1.7487 مليار دينار، بينما سجل قطاع التكامل الداجني نحو 1.1488 مليار دينار.
وبجمع القطاعين نصل إلى قرابة 2.9 مليار دينار، أي ما يقارب 70% من رقم معاملات أنشطة المجموعة المعلن في مؤشرات 2025. وهذا يفسر لماذا يبقى اسم بولينا مرتبطا بقوة بالغذاء رغم توسعها في قطاعات صناعية أخرى.
من «المزرعة» إلى الزيوت والمثلجات والصلصات
داخل هذه المنظومة توجد شركات وعلامات يعرفها المستهلك التونسي، من بينها El Mazraa في الدواجن واللحوم المحولة، إلى جانب شركات في الأعلاف وتغذية الحيوانات والصناعات الغذائية. كما ترتبط المجموعة بشركات مثل GIPA وMed Oil Company وبعلامات غذائية معروفة في السوق التونسية.
تأسيس GIPA سنة 1978 أدخل المجموعة بقوة إلى منتجات موجهة مباشرة للمستهلك، وتطورت لاحقا محفظة من المثلجات والحلويات والعصائر ومنتجات غذائية مختلفة. أما Med Oil Company فتعمل في الزيوت النباتية والمارغرين والمايونيز والصلصات والدهون النباتية ومنتجات أخرى.
وهذا يفسر كيف يمكن للمستهلك أن يشتري منتجات تبدو منفصلة تماما بينما تقف خلف عدد منها شركات تنتمي في النهاية إلى المجموعة نفسها.
بولينا ليست مجموعة غذائية فقط
قائمة الأنشطة الحالية للمجموعة تتجاوز الغذاء. موقع Poulina Group Holding يعرض قطاعات تشمل الدواجن، الغذاء والمشروبات، الخشب، مواد البناء، التغليف، تحويل الفولاذ، الطاقة الكهروضوئية، تغذية الحيوانات، الأجهزة المنزلية وخدمات تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب أنشطة أخرى.
وتظهر القوائم المالية الموحدة أيضا أن نطاق المجموعة واسع ويضم عددا كبيرا من الشركات التابعة. كما تسجل PGH استثمارات بطريقة وضع حقوق الملكية في شركات لا تسيطر عليها بالكامل، بينها Ennakl Automobiles وBH Assurance وJM Holding.
دخول غير مباشر إلى SAH Lilas
في جويلية 2025 أعلنت بولينا إتمام الاستحواذ على 45.48% من رأسمال JM Holding. وهذه الشركة هي المساهم الرئيسي في Société d’Articles Hygiéniques المعروفة بعلامة SAH Lilas. وبحسب البيان الرسمي المنشور في بورصة تونس، تعادل حصة بولينا بصورة غير مباشرة نحو 29.9% من رأسمال SAH.
وتؤكد القوائم المالية الموحدة لسنة 2025 إدراج JM Holding ضمن الشركات الموضوعة بطريقة حقوق الملكية، بنسبة مصلحة تقارب 45.45% ونسبة سيطرة 45.48%. أي أن بولينا دخلت فعليا إلى دائرة SAH Lilas، لكن ذلك لا يعني أنها تملك الشركة بالكامل أو تسيطر منفردة عليها.
إعادة هيكلة القطب الغذائي
في أكتوبر 2025 أعلنت المجموعة عن عملية carve-out لإعادة هيكلة نشاطها الغذائي، مع توجه إلى فتح جزء من رأسمال هذا القطب في السوق المالية التونسية. الهدف المعلن هو منح النشاط الغذائي استقلالية أكبر ووسائل تمويل وتوسع إضافية.
وفي عرض للنتائج خلال جوان 2026، ذكرت إدارة المجموعة أن استكمال هذه العملية كان مستهدفا خلال الربع الرابع من 2026. لذلك من الأدق التعامل معها باعتبارها عملية جارية لا حدثا انتهى بالفعل.
ملف Land’Or: عرض ملزم وليس استحواذا منتهيا
من أبرز ملفات التوسع في 2026 مشروع الاستحواذ على حصة الأغلبية التي يملكها صندوق Maghreb Private Equity Fund IV LLC في مجموعة Land’Or المتخصصة في الأجبان ومشتقاتها.
في فيفري 2026 أُعلن عن مشروع الاستحواذ، ثم انتقلت العملية في 10 أوت 2026 إلى مرحلة أكثر تقدما عندما قدمت PGH عرضا ملزما. ووفق المعطيات المنشورة، يستند العرض إلى تقييم إجمالي لحقوق ملكية Land’Or يبلغ نحو 204.8 ملايين دينار، أي 14.860 دينارا للسهم.
لكن حتى آخر المعطيات المتاحة، لم تكن الصفقة قد أصبحت نهائية. ما يزال إتمامها مرتبطا بمراحل قانونية وتنظيمية وتعاقدية. لذلك لا يصح إدراج Land’Or حتى الآن باعتبارها شركة تابعة لبولينا.
2026: النمو مستمر والاستثمارات تتضاعف
خلال النصف الأول من 2026، بلغ رقم معاملات أنشطة المجموعة نحو 2.118 مليار دينار، بزيادة 7.9% مقارنة بالفترة نفسها من 2025. وبلغت المبيعات المحلية نحو 1.939 مليار دينار، بينما وصلت الصادرات إلى نحو 179 مليون دينار.
وفي الفترة نفسها قفزت الاستثمارات إلى 143.5 مليون دينار مقابل 70.5 مليون دينار في النصف الأول من 2025. وتركز جزء مهم منها في قطبي الدواجن والصناعات الغذائية، إلى جانب استثمارات في قطاعات أخرى.
كيف بنت بولينا هذا الحجم؟
يمكن اختصار نموذج بولينا في فكرتين: التكامل والتنويع. فالمجموعة لا تكتفي ببيع منتج نهائي؛ بل تسيطر في عدد من الأنشطة على حلقات متعددة من سلسلة القيمة. وفي الوقت نفسه، لم تبق الأرباح والخبرات محصورة داخل الغذاء، بل استُخدمت لبناء أو شراء أنشطة جديدة في الصناعة والخدمات والاستثمار.
هذا النموذج خفض في حالات كثيرة اعتماد المجموعة على موردين خارجيين، وسمح لها بالاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل شبكتها، لكنه جعل قراءة حجم بولينا أكثر تعقيدا أيضا: ليست كل الشركات مملوكة بالنسبة نفسها، وليست كل الأرقام المنشورة قابلة للجمع أو المقارنة مباشرة.
أرقام يجب عدم الخلط بينها
- 4.1605 مليارات دينار: رقم معاملات أنشطة المجموعة في مؤشرات 2025 غير المدققة.
- 3.5594 مليارات دينار: الإيرادات في القوائم المالية الموحدة المدققة لسنة 2025.
- 204.9 ملايين دينار: النتيجة الصافية الموحدة لسنة 2025.
- 2.118 مليار دينار: رقم معاملات أنشطة المجموعة في النصف الأول من 2026.
- 143.5 مليون دينار: الاستثمارات المعلنة خلال النصف الأول من 2026.
هذه الفروق ليست تفصيلا محاسبيا صغيرا. فهي التي تمنع تحويل مقارنة مثيرة مثل «4.16 مليارات مقابل 171.6 مليار للناتج المحلي» إلى استنتاج اقتصادي غير صحيح حول مساهمة بولينا في الناتج.
المصادر
- Poulina Group Holding — تاريخ المجموعة وأنشطتها.
- هيئة السوق المالية — مؤشرات نشاط PGH للربع الرابع 2025.
- هيئة السوق المالية — القوائم المالية الموحدة لـPGH في 31 ديسمبر 2025.
- المعهد الوطني للإحصاء — الناتج المحلي الإجمالي والدخل القومي 2025.
- بورصة تونس — بيان إتمام مساهمة PGH في JM Holding.
- IlBoursa — العرض الملزم المتعلق بـLand’Or، أوت 2026.
- IlBoursa — مؤشرات النصف الأول من 2026.

