ارتبطت صفاقس منذ قرون بغراسة اللوز وبمجموعة واسعة من الحلويات والعادات الاجتماعية المرتبطة به. ويعود جانب مهم من هذا الارتباط إلى طبيعة «جنان صفاقس» ونظام الغراسة البعلية الذي تكيف مع مناخ شبه جاف ومع أمطار محدودة، فصارت شجرة اللوز إلى جانب الزيتون من العناصر المميزة للمشهد الفلاحي والثقافي في الجهة.
هل صفاقس «عاصمة اللوز» في تونس؟
تظل صفاقس واحدة من أهم المناطق التاريخية لزراعة اللوز في تونس، لكن وصفها بأنها تنتج «معظم الإنتاج الوطني» يحتاج اليوم إلى حذر. فالإنتاج يتوزع على عدة مناطق، من بينها صفاقس والوطن القبلي والقيروان والقصرين ومناطق أخرى.
وتعرض غرفة التجارة والصناعة بصفاقس، في صفحة مخصصة لتصدير اللوز، مؤشرات مرجعية للجهة تشمل نحو 71 ألف هكتار من غراسات اللوز ونحو 5 آلاف طن من الإنتاج، مع مساهمة بنحو 15% من صادرات اللوز التونسية. ولا تحمل الصفحة سنة إنتاج محددة، لذلك لا ينبغي استعمال هذه الأرقام باعتبارها حصيلة موسم 2026، بل كمؤشرات تعريفية بالقطاع في الجهة.
أما على المستوى الوطني، فتشير أحدث بيانات الإنتاج المتاحة في FAOSTAT لسنة 2024 إلى إنتاج تونسي يناهز 70.9 ألف طن من اللوز بالقشرة، ما وضع تونس في حدود المرتبة التاسعة عالميا في ذلك العام. وتختلف الأرقام كثيرا بحسب ما إذا كان الإحصاء يقيس اللوز بالقشرة أو اللب المقشور، وهو ما يفسر بعض الفوارق الكبيرة بين المصادر القديمة والجديدة.
غراسة تمتد إلى قرون
بحسب ورقة بحثية للمعهد الوطني للتراث، تمثل جنان صفاقس مجالا عرف توسعا في غراسة اللوز منذ القرن الثامن عشر، ثم تزايدت الغراسة خلال القرن التاسع عشر.
ولا يعني ذلك أن اللوز ظهر في تونس آنذاك لأول مرة؛ فزراعة اللوز في البلاد أقدم بكثير. وتشير مراجع منظمة الأغذية والزراعة إلى أن وجوده الزراعي في تونس يرجع إلى عصور قديمة، مع استمرار زراعته في مناطق متعددة وتطور أصناف محلية ملائمة للظروف المناخية المختلفة.
ما يميز صفاقس هو تكامل الشجرة مع نظام «الجنان» الواسع حول المدينة. فالمسافات الكبيرة بين الأشجار كانت جزءا من التكيف مع قلة الأمطار، إذ تسمح لكل شجرة بالاستفادة من مساحة أوسع من التربة والماء.
اللوز في الذاكرة والعادات الصفاقسية
لا تقتصر أهمية اللوز في صفاقس على قيمته الزراعية. فالورقة البحثية للمعهد الوطني للتراث توثق مجموعة من المعتقدات والممارسات التي أحاطت بالشجرة وثمارها داخل الذاكرة الشعبية.
ومن بين المعتقدات التي تناقلتها بعض العائلات الامتناع عن تقليم شجرة اللوز بسكين استُخدمت سابقا في تقطيع البصل أو الثوم، خشية أن يضر ذلك بالشجرة. ولا ينبغي فهم هذا بوصفه قاعدة زراعية علمية، بل باعتباره معتقدا تراثيا يعكس المكانة الرمزية للشجرة لدى أصحاب الجنان.
كذلك ارتبط اللوز في بعض الروايات المحلية بمراحل الحياة والمناسبات السعيدة، وخصوصا الزواج. وتذكر المادة البحثية عادة إطعام العريس قبيل الزواج حبات لوز مع العسل اعتقادا بأنها تمنحه قوة وطاقة. وهذه بدورها ممارسة شعبية وليست توصية طبية أو حقيقة علمية مثبتة بشأن «تقوية القدرة الجنسية».
لماذا ارتبط اللوز بالأفراح؟
تظهر رمزية اللوز في عدد من ثقافات البحر المتوسط، حيث ارتبط بالخصوبة والربيع والزواج. وفي صفاقس اكتسب حضوره شكلا محليا واضحا من خلال الحلويات التي يدخل في تركيبها ومن خلال استعماله في طقوس المناسبات.
وتذكر الذاكرة المحلية الموثقة في الدراسة أن «حلو اللوز» أصبح حاضرا بقوة في حفلات الزواج منذ منتصف القرن العشرين، ضمن عادة تعرف محليا باسم «دور الكعبة»، حيث توزع حلويات اللوز على الحاضرين وتتحول الحلوى إلى علامة على تقاسم الفرح بين عائلتي العروسين والضيوف.
كما يدخل اللوز في أصناف شهيرة مثل البقلاوة والملبس وكعك اللوز، وتظهر هذه الحلويات في الأعراس والأعياد والمناسبات الدينية. وفي المقابل، تشير المادة التراثية إلى غيابها تقليديا عن فترات الحداد، ما عزز ارتباطها بالاحتفال والفرح في المخيال المحلي.
أسماء أصناف مرتبطة بعائلات صفاقسية
من الجوانب اللافتة التي سجلتها الدراسة وجود أسماء لبعض أصناف اللوز تتقاطع مع ألقاب عائلات صفاقسية، مثل الفخفاخ والزحاف والقسنطيني وشيخ روحه وفطيمة وغيرها.
وتفسر الدراسة هذا التقاطع في إطار العلاقة القديمة بين ملكية الجنان والمكانة الاجتماعية، إذ كانت بعض العائلات معروفة بأراضيها وغراساتها وأصنافها. ومع مرور الوقت انتقلت الأسماء من المجال العائلي والاجتماعي إلى الذاكرة الزراعية المحلية.
من المهم هنا عدم التعامل مع كل اسم متداول باعتباره بالضرورة صنفا نباتيا مسجلا رسميا؛ فبعض التسميات تنتمي إلى الاستعمال الشعبي والمحلي أكثر مما تنتمي إلى التصنيف الزراعي الحديث.
صفاقس بين الغراسة التقليدية والتحديات المناخية
غراسة اللوز التقليدية في صفاقس مرتبطة إلى حد كبير بالزراعة البعلية وبقدرة الشجرة على تحمل الجفاف نسبيا، لكن ذلك لا يجعلها محصنة من تغير المناخ. فالإزهار المبكر يجعل اللوز حساسا لتقلبات الطقس، كما تؤثر سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وعدم انتظام الأمطار في المحصول.
وتوفر بوابة البيانات المفتوحة التابعة لوزارة الفلاحة التونسية في 2026 مجموعة بيانات خاصة بتطور إنتاج اللوز البيولوجي في ولاية صفاقس خلال العقد الأخير، وهو ما يعكس استمرار أهمية هذا النشاط ومتابعته إحصائيا في الجهة.
ولهذا فإن القيمة الحالية للوز في صفاقس لا تقتصر على كمية الإنتاج السنوي؛ فهي تشمل كذلك التنوع المحلي، والجنان التقليدية، والمعرفة الزراعية، والحلويات والممارسات الاجتماعية المرتبطة بالشجرة.
تونس في خريطة إنتاج اللوز العالمية
لا تدعم بيانات 2024 القول إن الولايات المتحدة «تستأثر بـ80% من الإنتاج العالمي» من اللوز بالقشرة.
تشير بيانات FAOSTAT إلى أن الإنتاج العالمي من اللوز بالقشرة بلغ في 2024 نحو 3.95 ملايين طن، منها نحو 2.0 مليون طن في الولايات المتحدة، أي قرابة 51% من الإجمالي. وجاءت بعدها أستراليا وإسبانيا، بينما حافظت دول متوسطية من بينها تركيا والمغرب وتونس على حضور مهم في الإنتاج.
وهنا أيضا يجب الانتباه إلى اختلاف وحدات القياس: إحصاءات FAOSTAT الزراعية غالبا ما تعرض اللوز بالقشرة، بينما بيانات الأسواق والتجارة قد تتعامل مع اللب المقشور، لذلك لا يصح مقارنة رقمين من الفئتين مباشرة.
لماذا يبقى اللوز جزءا من هوية صفاقس؟
قد يتغير ترتيب تونس عالميا من سنة إلى أخرى، وقد يتقلب محصول صفاقس حسب الأمطار والجفاف، لكن البعد التراثي أكثر ثباتا من الأرقام. فاللوز ترك أثرا واضحا في شكل الجنان، وفي أسماء بعض الأصناف، وفي المطبخ والحلويات، وفي طقوس الزواج والفرح والذاكرة الاجتماعية.
ولهذا فإن وصف صفاقس بـ«عاصمة اللوز» يمكن فهمه اليوم بصورة أدق باعتباره وصفا ثقافيا وتاريخيا أكثر من كونه ادعاء إحصائيا بأنها تنتج دائما أغلبية اللوز التونسي.
المصادر
- ورقة بحثية للسيدة سهام القلال، ملحق بحوث بالمعهد الوطني للتراث، حول الجانب التراثي والاجتماعي للوز في صفاقس.
- غرفة التجارة والصناعة بصفاقس – مؤشرات قطاع اللوز في الجهة
- وزارة الفلاحة التونسية – تطور إنتاج اللوز البيولوجي بصفاقس
- FAOSTAT – قاعدة بيانات الإنتاج الزراعي
- FAO – زراعة اللوز في تونس ومناطق الإنتاج

