كيف يتعرض الأفارقة السود للاستغلال المجحف في تونس؟

خاص-“الموندو”-ترجمة حمزة مثلوثي: نبدأ حكايتنا بالحديث عن جيريمي، وهو مواطن من ساحل العاج في أوائل الثلاثينات من عمره كان قد وصل إلى تونس في 2016، والذي يساوره التردد إزاء التنديد بالمعاناة التي يعيشها. وبالعودة إلى أصل هذه الحكاية، يقول الشاب الإيفواري إن معضلته بدأت فور ظهوره في تقرير تلفزيوني دون حجب وجهه، وهو ما جعله ضحية للعديد من الأعمال الانتقامية.

ظهر جيريمي في برنامج تبثه قناة دولية ناطقة باللغة الفرنسية، وتجرأ بين طياته على التنديد بالعنصرية التي يلقاها في البلد الذي يقطن فيه، ما أدى إلى خسارته لوظيفته كنجار في إحدى الورشات بعد ذلك بفترة قصيرة، فضلا عن اعتقاله من قبل الشرطة. وقبل القبض عليه، أفادت التقارير أن الشرطي توجه إلى جيريمي قائلا “تريد تشويه سمعة بلدنا إذن، سترى ما سيحدث”.

لم تزد مدة اعتقال الشاب الإيفواري عن ثلاثة أيام بفضل تحركات المجتمع المدني واحتجاجاته. وإذا ما لاقيت جيريمي، ستجده شابا خجولا يتحدث بنبرة صوت منخفضة، ذو ملامح جميلة وعينان لوزيتان تختبئان تحت قبعة لا يخلعها قط. وفي المقهى الذي اعتدت لقاءه فيه بمدينة صفاقس، اعتدت الاستماع إليه بانتباه شديد كي لا أفوت سماع كل ما يهمس به، ومما لا شك فيه أنه كان له من الحكايات الكثير.

كان جيريمي يعمل مهندسا في التكنولوجيا الزراعية في مسقط رأسه قبل أن تقلب الأزمة الاقتصادية عام 2013 حياته رأسا على عقب، فشركته اضطرت إلى تسريح بعض الموظفين وكان له من ذلك نصيب. وما كان من أحد الوسطاء إلا أن عرض عليه وظيفة في تونس، والتي يقول بِنَدم إنه “دفع من أجلها 1000 يورو للقدوم إلى هنا”.

حل جيريمي بالأراضي التونسية، ليجد نفسه شبه محاصر وأن العمل الموعود لا علاقة له بالمهارات التي لطالما عمل على اكتسابها، فهو الآن “عامل مزرعة بسيط” مهمته إطعام 280 بقرة والاهتمام بشؤون المزرعة الأخرى بمساعدة عامل إيفواري آخر. وفي حديثه عن هذا العمل، قال جيريمي “نعمل من السادسة صباحا حتى العاشرة ليلا، وكنا ننام على بطانيات ملقاة على الأرض في استوديو صغير داخل المزرعة”.

بعد أربعة أشهر، بلغ الصبر منتهاه فقرر جيريمي حزم حقائبه وطلب من مشغله أن يعيد إليه جواز سفره. وعلى الرغم من مقترح صاحب المزرعة برفع الراتب الشهري إلى 400 دينار لحثه على البقاء، كان رفض الشاب الإيفواري قاطعا لأن هذا الراتب “بلا قيمة”، ليشد الرحال في نهاية المطاف نحو المدينة.

في حديثه عن بدايته داخل المدينة، يقول جيريمي “لم يكن لدي أي مال، لكنني وجدت حيا يقطنه الكثير من أصحاب البشرة السوداء. توجهت بعد ذلك للمنطقة الصناعية البودريار وعثرت على وظيفة عامل بناء، إلا أن الأوضاع كانت صعبة على الرغم من تحسنها بشكل طفيف”.

تجدر الإشارة إلى أن العديد من العمال ذوي البشرة السوداء كانوا عرضة لاستغلال مماثل، والذي قد يصل في بعض الحالات إلى العبودية الحديثة. ولقد كان ذلك مصير جميع العامل تقريبا في مدينة صفاقس، والتي باتت موطنًا لعدد متزايد من المهاجرين الأفارقة العاملين في الصناعة والزراعة في السنوات الأخيرة.

“يجعلوننا نقوم بجميع الأعمال الشاقة نظير اعتقادهم بأن السود أقوى جسديا”. ويتقاضى التونسيون رواتب أجرا أفضل، فهم يحصلون على 35 دينار لقاء يوم عمل واحد، في حين يتعين على جيريمي ورفاقه تدبر حالهم لقاء مبلغ لا يتجاوز 20 دينار. وجيريمي ينال منه التعب والإنهاك بسبب عمله لساعات طوال.

ومنذ ثورة 2011، شهدت تونس تدفقا جديدا من العمال القادمين من عدة دول، وهو ما مثل تحديا هائلا لبلد اعتاد تصدير قوته العاملة إلى العالم. وحسب عالم الاجتماع مصطفى النصراوي “لم تكن تونس مستعدة لهجرة اليد العاملة نحوها، كما أن الوافدين الجدد يندمجون في سوق الشغل قدر استطاعتهم ويجدون الوظائف الأقل تنظيما على الاطلاق. وفي مدينة صفاقس، بات المهاجرون يمثلون عمالة العبيد الحديثة الخاصة بالاقتصاد التونسي”.

العمل القسري

وفقا للأرقام التي نشرتها صحيفة “إيكوال تايمز” عن جمعية “تونس: أرض اللجوء”، يمثل الإيفواريون الشريحة الأكبر من المهاجرين الأفارقة في تونس. والجدير بالذكر أن هذه الجمعية تدير مركزين مخصصين لمساعدة اللاجئين الذين يوجهون صعوبات في تونس، فضلا عن الاهتمام بشؤونهم القانونية ومد يد العون إليهم.

ووفقا لمعطيات جمعية “تونس: أرض اللجوء”، يمثل الإيفواريون 77 بالمئة من الأشخاص الذين يساعدونهم، وهو ما يمكن تبريره بعدم حاجة مواطني الكوت ديفوار إلى تأشيرة دخول إلى تونس، بالإضافة إلى شبكات تهريب البشر بين البلدين قبل كل شيء. وحيال هذا الشأن يقول خواكيم، الذي قضى السنوات الطوال في تنظيم حملات للدفاع عن حقوق المهاجرين في صفاقس، إن “مكتب شبكة تهريب البشر في أبيدجان منظم للغاية، ما يبعث في النفس شعورا بأنها إحدى وكالات التوظيف القانونية”.

يعتبر خواكيم ملما بجميع الأسرار التي تخص قنوات التوظيف التي يصل من خلالها غالبية العمال الإيفواريين إلى تونس، فالوسيط الذي يجد “الوظيفة” ويشتري تذكرة الطائرة يحصل على عمولته، في حين يحصل مسؤول التوظيف المتواطئ مع صاحب العمل والمتواجد في تونس على نصيبه من الصفقة. ويمكن وصف هذه العملية بأنها دفع المال مرتين لقاء أمر واحد، وهو ما وصفه خواكيم بأنه “تجارة مربحة”. وفور قدوم المهاجرين إلى تونس، ينقادون إلى مكان عملهم مباشرة وتصادر جوازات سفرهم.

يقول فاليكو، وهو رئيس إحدى الجمعيات التي تمد يد العون للمهاجرين في صفاقس، إن “العاملين يقولون في أنفسهم، حسنا لقد جئت إلى تونس ولعل هذا الشخص سيوفر لي الحماية. وفي المقابل تصادر جوازات سفرهم، فالاتفاق بين المهرب وصاحب العمل يقتضي عدم دفع راتب العامل لعدة أشهر من أجل سداد المبلغ الذي دفعه صاحب العمل إلى مسؤول التوظيف، وهو اتفاق لا يكون العامل على دراية به أصلا. إن فترة العقد تتسم بأقسى مستويات الاستغلال”.

يتابع فاليكو بالقول “بالمقارنة مع العمل القسري، إنه مثل السجن، فظروفنا الحياتية سيئة على نحو متطرف. ففي ضيعات الزيتون، ينام العمال بين الأشجار داخل هياكل صغيرة تستخدم في العادة للتخزين وهي غير ملائمة للعيش. يمسي الجو باردا للغاية في الشتاء، كما أن هذه البيوت معرضة للرياح التي تهب من كل صوب. لا وجود للتدفئة أو حتى الماء الساخن الذي يمكهم من الاغتسال، لا يوجد شيء”.

يمضي فاليكو أسابيع عدة في التجول في كامل أرجاء المدينة لمساعدة المهاجرين على مواجهة المشاكل التي تعترضهم، دون جدول زمني أو حتى يوم عطلة، فهاتفه لا يتوقف عن الرنين. ويعمل في بعض الأحيان وسيطا لفض النزاعات بين المهاجرين أو يفاوض أصحاب الشغل لدفع الرواتب، وهي مشكلة استفحلت بين أوساط المشغلين. ويضف الناشط الحقوقي الإجراءَات بأنها مملة للغاية قائلا “نتصل بصاحب العامل مباشرة، ثم نتجه للشرطة حين يرفض الدفع. لقد نجحنا في ذلك حوالي 6 مرات”.

لا يجد المهاجرون بدا من العمل بشكل غير قانوني في ورشات وضيعات ولاية صفاقس، فالقانون التونسي صارم للغاية. ووفقا لجمعية القيادة والتنمية في إفريقيا، إن “إمكانيات تنظيم قوانين عمل المهاجرين ضعيفة للغاية، فلا يوجد ما يمنع تشغيل الأجانب في تونس، لكن يجري تطبيق ما يسمى بمبدأ الأفضلية الوطنية. وإذا ما أردت تشغيل أجنبي ما، عليك إثبات أن مهارته غير متوفرة محليا، وإنه لمن الصعب إثبات عدم وجود عمال في قطاع الفلاحة في تونس”.

لا يمتلك العمال الأفارقة من ذوي البشرة السوداء أي فرصة تقريبا للحصول على ترخيص عمل أو إقامة. ووفقا لعالم الاجتماع فينسنت غيسر، يعتبر القانون التونسي “آلة لإنتاج المخالفات”. وفي ظل تردي هذه الأوضاع، طالبت منظمة العمل الدولية الجمهورية التونسية النظر في إطارها القانوني، مذكّرة إياها بأنها لم تصادق بعد على العديد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية حقوق العمال المهاجرين.

وعلى الرغم من الوضع المتردي، بات بعض الأطراف الفاعلة اقتصاديا على دراية بأسس هذه المشكلة. وبقدر ما قد يبدو الأمر غير بديهي، إلا أن تونس تحتاج إلى يد عاملة أجنبية رغم كونها دولة نامية بلغ معدل البطالة فيها حاجز 15 بالمئة في الربع الأخير من سنة 2019. حيال هذا الشأن، يقول الكاتب العام المساعد للإتحاد الجهوي للشغل بصفاقس، حمادي المصراطي “نحن نعتبر الهجرة ميزة إضافية لاقتصادنا”. ومنذ سنة 2019، يدير المصراطي فضاء مخصصا لاستقبال المهاجرين وإعلامهم بحقوقهم ومحاولة مساعدتهم”.

في العام ذاته، أنشأ المركز النقابي الوطني أربعة مراكز تخص العمال المهاجرين في كل من العاصمة تونس وولايات سوسة ومدنين وصفاقس، كما سيطلق الاتحاد قريبا هيكلا نقابيا مخصصا للدفاع عن حقوق العمال الأجانب. وطبقا لبعض الاحصائيات، بلغت حاجة قطاعات الصناعة والبناء والأشغال العامة والسياحة من اليد العاملة في 2012 حوالي 120 ألف وظيفة في الشركات التونسية، وذلك باستثناء الأعمال الفلاحية والإدارية.

تعمل منظمة الهجرة الدولية حاليا على إعداد دراسة مماثلة هدفها “إظهار الفوائد التي يمكن للاقتصاد التونسي جنيها من خلال دمج المهاجرين المتواجدين في البلاد والذين يعملون بشكل غير رسمي”، وذلك حسب تصريحات رئيستها باولا بايس. ولإقناع المجتمع التونسي بجدوى هذا التوجه، ترى جمعية القيادة والتنمية في إفريقيا إنه علينا التحدث بلغة الأرقام، لكنها تدعو في المقابل إلى عدم التمييز بين المهاجرين الذين سيفيدون الاقتصاد الوطني وأولئك الذين لن يعودوا عليه بالنفع.

وفقا لمنظمة الهجرة الدولية، لا ينبغي إهمال الجانب الإنساني خلال تبني هذا التوجه، فالمهاجرون المتواجدون دون علم السلطات لا يتمتعون بأي حماية قانونية أو اجتماعية. وإن لم يكن ذلك كافيا، فإنهم يعيشون تحت تهديد دائم بالقبض عليهم من طرف الشرطة وترحيلهم لبلدانهم، وهم دائما تحت رحمة رؤساء عملهم.

حوادث الشغل 

في حديثه إلينا، عمد إيمانويل إلى أن يرينا يده المشوهة، والتي تعرض إصبع سبابتها للقص بواسطة آلة تستخدم في العادة لقطع الأنابيب المعدنية. ولم يخفِ الرجل غضبه من مشغله الذي لم يقدم له أي مساعدة خلال فترة شهرين من النقاهة. وعلى الرغم من الإهمال، لم يجد بدا من العودة إلى الورشة التي توظف حوالي 50 شخص، فهو “لم يكن لديه خيار آخر”. والجدير بالذكر أن صاحب الورشة تكفل بمصاريف عملية إعادة ترميم الإصبع المقطوع، لكنه لم يزد على ذلك مليما واحدا، فكان على إيماونيل تدبر أمره وإتمام العلاج بدفع مبلغ “يبلغ ضعف راتبه الشهري” من جيبه الخاص.

تعرض إيمانويل لحادثة شغل أثناء عمله في تونس
تعرض إيمانويل لحادثة شغل أثناء عمله في تونس

هناك حالات كثيرة مثل إيمانويل، حيث فقد شاب آخر ثلاثة أصابع، في حين كان آخر “أوفر حظا” بفقدان اصبع واحد فقط، ويواجه عامل آخر خطر الاصابة بإعاقة دائمة نظير سوء اهتمامه بكسر أصابه في قدمه. ويقول فاليكو في هذا الصدد إنه “عندما يضطر الأشخاص العاملون في المصانع إلى التعامل مع آلات لم يتدربوا على استخدامها، تقع العديد من الحوادث في مكان العمل. ولا يتمتع المهاجرون الذين تم توظيفهم بشكل غير قانوني بأي تأمين لسوء الحظ. وعندما تقع الحادثة، يرسل أصحاب العمل العامل إلى المستشفى، لكنهم يتخلون عنه إذا ما كانت الاصابة خطيرة لأنهم يعلمون بأن الأمر سيتحول لمشكلة بالنسبة إليهم، إن ذلك يحصل طوال الوقت”.

لا وجود لأرقام وإحصائيات رسمية، لكن أي شخص في صفاقس تقريبا يعرف شخصا واحدا على الأقل تعرض لحادث شغل. ولأن قصص استغلال العمال الأفارقة غالبا ما تظهر بشكل جزئي وبين الفينة والأخرى، نسي الجميع أسماء ضحاياها وأعمارهم، فضلا عن وفياتهم. ووفقا لمعطيات عن جمعية “تونس: أرض اللجوء”، كان هناك حالتا وفاة على الأقل في صفاقس منذ سنة 2018، وحتى ذلك الحين لم يكن أحد يحتفظ بسجل دقيق لعدد هذه الوفيات.

اضطلع فاليكو بمنصب رئاسة جمعية تعنى بحقوق المهاجرين منذ بضعة أشهر فقط، لكنه يشعر بالإرهاق بالفعل، وهو ما دفعه للقول “إن الحديث عن معاناة المهاجرين هو لأمر محظور هنا، يجب حل هذه المشكلة بشكل جذري. هذا الأمر صعب للغاية بالنسبة للسلطات التونسية، فهي صريحة بهذا الشأن، لأن السماح للأجانب بالعمل في ظل ارتفاع معدلات البطالة يدفع المواطنين للشعور بالاستياء، وهو ما قد يؤدي لاندلاع الاحتجاجات”.

من جهته، يقول حمدي بن ناصر عضو جمعية “تونس: أرض اللجوء” إن “الإطار التنظيمي بالكاد شهد بعض التغييرات منذ أكثر من 30 عام، على الحكومة أن تتحرك، يجب إعادة كتابة النصوص القانونية بهذا الشأن”.

لا يقف جيريمي مكتوف اليدين، فهو الآخر يبحث عن حلول وقرر العمل لحسابه الخاص لوضع حد للاستغلال، فهو يرى أنه “من الأفضل التوقف للعمل لحساب شخص يدفع لك ملاميم معدودة ولا يأخذ مهاراتك بعين الاعتبار، وذلك من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي في نهاية المطاف”. وعلى الرغم من تأسيس جيريمي لشركة استشارات زراعية، إلا أن مشاكله لم تنته بعد، وهو ما دفعه للقول “لا يمكنني فتح حساب مصرفي، هناك العديد من العوائق، فالأمر معقد حقا بالنسبة للأجانب”.

في الوقت الحالي، لا يزال جيريمي ينتظر الحصول على تصريح إقامته من السلطات التونسية.

ملاحظة: جميع أسماء الشخصيات المذكورة في التقرير وقع تغييرها.

المصدر: موقع: إيكوال تايمز

Adv

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى