إفريقيا ليست فقيرة لكنّ الغرب يسرق ثرواتها
خاص-“الموندو”- شمس الدين النقاز” في تقريره الذي نشره على موقع الجزيرة باللغة الانجليزية، قال الناشط الحقوقي نيك ديردن إن الوقت قد حان لتغيير الطريقة التي نتحدث بها عن إفريقيا. والجدير بالذكر أن ديردن يشغل منصب مدير منظمة “العدالة العالمية الآن” في المملكة المتحدة.
“تعتبر إفريقيا “فقيرة”، لكن على الغرب أن يحاول مساعدة سكانها” إن هذه الجملة المذكورة أعلاه تتكرر كثيرا من خلال آلاف الصور والقصص الصحفية والفعاليات التي تنادي بالتبرع لسكان إفريقيا كل سنة، وهو ما جعل هذه الفكرة تترسخ في أذهاننا على أنها تمثل الحقيقة. وعندما نقرأ هذه الجملة، فإننا ندعم الفرضيات والتخيلات التي امتلكناها طوال حياتنا حول القارة السمراء، فنعيد تأكيد هذه الجملة.
إفريقيا غنية لكن الغرب ينهب ثرواتها
بناء على مجموعة من الاحصائيات التي وردت حتى تاريخ كتابة هذا المقال، تدين دول إفريقيا جنوب الصحراء للعالم بمبلغ يتجاوز 41 مليار دولار. وبطبيعة الحال، تتدفق الكثير من الأموال إلى هذه البلدان كل سنة، وهي تبلغ 161 مليار دولار تكون على شكل قروض وتحويلات المواطنين في الخارج ومساعدات دولية.
رغم ذلك، تغادر القارة الإفريقية 203 مليارات من الدولارات كل سنة، ويبلغ حجم أموال التهرب الضريبي حوالي 68 مليار دولار. وذلك يكون بقيام الشركات الأجنبية بسرقة الدول الإفريقية عن طريق تحويل الأموال إلى الملاذات الضريبية حول العالم على أساس أن مقرات الشركات المكلفة بإدارة هذه الأموال تتمركز في هذه الدول. ولامتلاك فكرة حول الحجم المهول لهذا التهرب الضريبي، تصل هذه “التدفقات المالية غير المشروعة” المزعومة إلى حوالي 6.1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول القارة، أو ثلاثة أضعاف ما تحصل عليه إفريقيا من مساعدات دولية.
إن لم يكن ذلك كافيا، يبلغ حجم الأموال التي “تعيدها” هذه الشركات إلى أوطانها حوالي 30 مليار دولار، وهي أرباح حققتها في إفريقيا لكنها ترسلها إلى الموطن الأم للشركة أو إلى أي مكان آخر للتمتع بها، فمدينة لندن مثلا غارقة في أرباح الثروات التي تعب العمال الأفارقة في استخراجها من أراضيهم.
طرق غير مباشرة
هناك طرق غير مباشرة لتحويل الثروات المنهوبة من إفريقيا إلى الخارج، ففي الوقت الحالي، يقدر حجم الأموال التي يسرقها الغرب عن طريق عمليات قطع الأشجار غير القانونية وصيد الأسماك وتجارة الحيوانات البرية حوالي 29 مليار دولار في السنة الواحدة فقط. ليس هذا وحسب، بل إن استغلال الغرب لإفريقيا جعل نظامها البيئي يعاني، كما أن تغير المناخ سيجعل جميع بلدانها تعيش أزمة كبرى.
على الدول الغربية دفع مبلغ 36 مليار دولار سنويا لنظيرتها الإفريقية نتيجة للضرر الذي سيحدثه تغير المناخ على اقتصاداتها ومجتمعاتها، وذلك لأن هذه الدول الأقل حظا لم تكن قادرة على استغلال الوقود الأحفوري المضر بالمناخ لتطوير نفسها بالطريقة التي استغلتها أوروبا. ويمكن القول إن أزمة المناخ لم تكن بسبب إفريقيا، لكن الأفارقة سيشعرون بتبعاتها أكثر من البقية، ولا داعي للإشارة إلى أن الدول الغربية لن تدفع هذه التعويضات في المستقبل بطبيعة الحال.
“إذا كانت الدول الافريقية ستستفيد من الاستثمار الأجنبي، يجب أن يسمح لها بتنظيم هذا الاستثمار بشكل قانوني وتسيير عمليات الشركات الجالبة له، كما يجب مساعدة هذه الدول على القيام بذلك”.
في واقع الأمر، يتسم تقييم هذه الأموال المتدفقة لإفريقيا بالسخاء، لأنه قائم على أساس أن هذه الثروة القادمة من الخارج تعود بالفائدة على شعوب تلك القارة. وبالنظر إلى الجانب الآخر للحقيقة، نجد أن القروض الممنوحة للحكومات والقطاع الخاص والتي تتجاوز 50 مليار دولار يمكن أن تتحول إلى ديون غير قابلة للدفع وتمثل عبئا حقيقيا على هذه الدول.
على سبيل المثال، تخسر غانا 30 بالمئة من ناتجها الإجمالي في سداد الديون والقروض التي كانت تحدد بنودها عن طريق المضاربة، والتي تكون أحيانا بناء على الأسعار المرتفعة للسلع وتحمل معدلات فائدة مرتفعة للغاية. وللإشارة إلى هذا المثال بلغة الأرقام، تضطر الحكومة الموزمبيقية إلى تسديد 21 جنيه استرليني مقابل كل جنيه استرليني واحد اقترضته من الخارج لبناء إحدى مصاهر الألمنيوم في البلاد، وهو ما يعني دفعها 21 ضعفا للقرض الذي تحصلت عليه.
يمكن أن ينتهي المطاف بالمساعدات البريطانية بتمويل عمليات بناء مدارس ومراكز صحية خاصة، وهو ما يعرقل إنشاء مرافق عمومية لائقة، كما يفسر ذلك سبب إغلاق المنظمات الدولية لمثل هذه المدارس الخاصة في أوغندا وكينيا. ولا يمكن القول إن جميع الأفارقة قد عانوا من آثار هذا الاقتصاد المترهل، بل إن البعض استفاد من ذلك، حيث يقدر عدد الأشخاص فاحشي الثراء في القارة السمراء بحوالي 165 ألف شخص، بإجمالي ثروة يبلغ 860 مليار دولار.



تدفع هذه الأرقام المرأ للتساؤل حول مآل ثروات هؤلاء الأشخاص في ظل اقتصاد ينخر جسده الفساد، ويظل الجواب الأوحد هو الملاذات الضريبية، التي تحتضن أموال رجال الأعمال الأفارقة. وتشير تقديرات سنة 2014 إلى أن الأثرياء الأفارقة يودعون 500 مليار دولار في هذه الملاذات، وهو ما يعني أن الشعوب الإفريقية يُنهب اقتصاد بلدانها حرفيا لتمكين أقلية صغيرة منهم من تحقيق الثراء وعيش حياة البذخ من خلال تحويل هذه الأموال إلى الخارج.
ماهو الجواب؟
تود الحكومات الغربية أن ينظر إليها الجميع على أنها المستفيد السخي، والذي “يفعل ما في وسعه لمساعدة أولئك الذي يعجزون عن مساعدة أنفسهم”، لكنا تتناسى أن مهمتها الأساسية الآن يجب أن تكون الكف عن تعميق جراح الأفارقة وإدامة الضرر الذي تحدثه في دولهم. ولذلك قد تحتاج هذه الحكومات إلى التوقف عن إجبار الحكومات الأفريقية على فتح اقتصادها للخصخصة، وفتح أسواقها أمام المنافسة غير العادلة.
إذا كانت الدول الافريقية ستستفيد من الاستثمار الأجنبي، يجب أن يسمح لها بتنظيم هذا الاستثمار بشكل قانوني وتسيير عمليات الشركات الجالبة له، كما يجب مساعدة هذه الدول على القيام بذلك. وعلى هذه الدول آنذاك أن لا تمنح ثقتها في قطاع الصناعات الاستخراجية وعمليات التنقيب.
مع بعض الاستثناءَات، بالإمكان القول إن الدول التي تمتلك ثروات معدنية وفيرة تعاني من صعوبة ترسيخ النظم الديمقراطية، ناهيك عن كون اقتصادها غالبا ما يكون متدهورا ومصحوبا بمعدلات نمو ضعيفة. ولذلك يجب على الدول التوقف عن المماطلة في اتخاذ الإجراءَات المتعلقة بالتعامل مع التهرب الضريبي، فلا ينبغي لأي دولة أن تتسامح مع الشركات التي تمتلك شركات فرعية تدير عملياتها في البلدان التي تمثل ملاذا ضريبيا.
إن المساعدات التي تتلقاها إفريقيا قليلة للغاية، وهي لا تمثل سوى جزء صغير من ثرواتها المنهوبة. ويجب أن ننظر إليها على أنها تعويضات أو إعادة توزيع للثروات. وتماما كما يسمح لنا النظام الضريبي بإعادة توزيع الثروة من الطرف الأغنى إلى الأفقر داخل المجتمعات الفردية، الأمر سيان بالنسبة للمجتمع الدولي، ويجب علينا أن نتوقع من دوله القيام بالأمر ذاته.
حتى نكون قادرين على المباشرة في تنفيذ هذا المشروع الطموح، علينا تغيير نظرتنا إلى القارة الإفريقية وطريقة حديثنا عنها، فالأمر يجب ألا يكون لدفع الناس للشعور بالذنب، لكنه يجب أن يتمحور حول التشخيص الصحيح للمشكلة بهدف حلها. نحن لا نساعد إفريقيا في الوقت الحالي، فهي قارة غنية، لكن دعونا فقط نتوقف عن جعلها أكثر فقرا.
ملاحظة: العنوان الفعلي للمقال هو “إفريقيا ليست فقيرة، نحن نسرق ثرواتها”، لكن الكاتب البريطاني يتحدث فيه عن الاتحاد الأوروبي والغرب بشكل عام، ما دفعنا لتغيير العنوان للقارئ العربي.
المصدر: موقع الجزيرة النسخة الإنجليزية



