تقارير

نسبة امتلاء السدود في تونس 2026: أين وصل المخزون وهل انتهى خطر نقص المياه؟

بلغت نسبة امتلاء السدود في تونس نحو 50% في سبتمبر 2026 بعد تعافٍ قوي للمخزون. تقرير بالأرقام عن السدود الكبرى والجديدة، التوحل، التبخر وخطر الشح المائي.
بلغت نسبة امتلاء السدود في تونس نحو 50% في بداية سبتمبر 2026
بلغت نسبة امتلاء السدود في تونس نحو 50% في بداية سبتمبر 2026

بعد سنوات من الجفاف وتراجع مخزونات المياه إلى مستويات مقلقة، دخلت تونس السنة المائية 2026-2027 بوضع أفضل بكثير مما كان عليه خلال الموسمين السابقين. فقد بلغت نسبة امتلاء السدود في تونس نحو 50% في بداية سبتمبر 2026، بحسب مسؤول بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري. وهي قفزة واضحة مقارنة بنحو 29.3% في 9 سبتمبر 2025 و23.1% في 12 سبتمبر 2024.

لكن السؤال الأهم ليس فقط: كم بلغت نسبة الامتلاء؟ بل هل يعني ذلك أن خطر نقص المياه في تونس انتهى؟ الإجابة أكثر تعقيدًا. تحسن المخزون يمثل انفراجًا حقيقيًا بعد سنوات صعبة، لكنه لا يلغي مشكلة الشح المائي الهيكلية، ولا التفاوت الكبير بين سدود الشمال والوسط، ولا خسائر التبخر والتسرب، ولا الضغط المتزايد على الموائد الجوفية.

نسبة امتلاء السدود في تونس 2026: أين وصلنا؟

في 2 سبتمبر 2026 أعلن محرز رجب، كاهية مدير استغلال وتشغيل السدود بوزارة الفلاحة، أن نسبة امتلاء السدود على المستوى الوطني أصبحت في حدود 50%. وجاء هذا الرقم بعد نهاية صيف شديد الحرارة والاستهلاك، وفي بداية السنة المائية الجديدة التي تنطلق في تونس يوم 1 سبتمبر.

وكانت النسبة قد بلغت قرابة 60% في جوان 2026، بعد موسم مطري أفضل من السنوات السابقة. وفي بداية جوان قُدرت الكميات المخزنة بنحو 1.4 مليار متر مكعب مع تجاوز نسبة الامتلاء 60%، قبل أن يتراجع المخزون تدريجيًا خلال الصيف بفعل الاستهلاك والري والتبخر.

التاريخنسبة الامتلاءالمخزون المعلنملاحظة
12 سبتمبر 202423.1%542 مليون م³من أدنى المستويات بعد سنوات الجفاف
9 سبتمبر 202529.3%692.6 مليون م³تحسن محدود لكنه بقي دون المستوى المريح
جوان 2026نحو 60%قرابة 1.4 مليار م³ في بداية الشهرتحسن قوي بفضل أمطار موسم 2025-2026
2 سبتمبر 2026نحو 50%لم يُعلن رقم يومي دقيق في التصريح نفسهبعد ذروة استهلاك الصيف

وإذا استُخدمت الطاقة المرجعية الجملية للسدود التي كانت في حدود 2.37 مليار متر مكعب في بيانات 2025، فإن نسبة 50% تعادل حسابيًا قرابة 1.18 مليار متر مكعب. غير أن هذا الرقم يبقى تقديرًا حسابيًا، لأن الطاقة الفعلية القابلة للتخزين تتغير مع الترسبات والتوحل، ولأن تصريح سبتمبر 2026 أعلن النسبة دون نشر مخزون يومي مفصل مرفق بها.

لماذا تراجعت النسبة من 60% في جوان إلى 50% في سبتمبر؟

هذا التراجع لا يعني بالضرورة أن الوضع انقلب من جيد إلى سيئ. الصيف هو أكثر الفترات ضغطًا على السدود: استهلاك مياه الشرب يرتفع، وتزداد حاجيات الري، كما تتسارع خسائر التبخر بفعل الحرارة.

وفي نهاية شهر جويلية 2026 أشارت معطيات منشورة إلى تبخر أكثر من 7 ملايين متر مكعب خلال عشرة أيام فقط. كما حذر خبراء من أن الفاقد اليومي بالتبخر خلال موجات الحر يمكن أن يصل إلى مئات آلاف الأمتار المكعبة. لذلك فإن انخفاض مستوى السدود خلال الصيف جزء من الدورة العادية للاستغلال، لكنه يصبح خطيرًا عندما يبدأ الصيف أصلًا بمخزون ضعيف.

هل الوضع متشابه في جميع مناطق تونس؟

لا. وهذه من أهم النقاط التي تخفيها النسبة الوطنية. فقد تحسنت سدود الشمال والشمال الغربي بصورة كبيرة بفضل الأمطار المسجلة خلال 2025 وبداية 2026، بينما بقيت سدود الوسط في وضع صعب.

وفي بداية سبتمبر 2026 أشار مسؤول بوزارة الفلاحة إلى أن نسبة امتلاء سدود الشمال والشمال الغربي كانت في حدود 60%، في حين لم تتجاوز نسبة امتلاء سدود الوسط نحو 9%. ومن أبرز الأمثلة سد نبهانة، الذي ظل يعاني ضعف الواردات المائية رغم التحسن الوطني.

وهذا التفاوت ليس جديدًا. ففي سبتمبر 2025 كانت سدود الشمال تستحوذ على نحو 92% من المخزون الإجمالي للسدود التونسية. أي أن تحسن المعدل الوطني لا يعني بالضرورة أن جميع الولايات والأحواض المائية تعيش الوضع نفسه.

37 سدًا في تونس… كيف بُنيت منظومة التخزين المائي؟

تملك تونس اليوم 37 سدًا كبيرًا في الاستغلال، إضافة إلى سدود تلّية وبحيرات جبلية ومنشآت تحويل ونقل للمياه. وقد بُني جزء مهم من هذه المنظومة منذ خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي، قبل توسعها لاحقًا مع مشاريع كبرى مرتبطة خصوصًا بمنظومة مياه الشمال ووادي مجردة.

وتُظهر السدود الكبرى كيف تطورت سياسة تعبئة المياه في تونس على مدى أكثر من سبعين عامًا:

السدتاريخ/فترة الإنجازالطاقة الأصلية التقريبيةالدور الأساسي
بني مطير1954نحو 57 مليون م³مياه الشرب والري والطاقة
ملاقمنتصف الخمسيناتنحو 268 مليون م³ أصلًاالتحكم في مياه ملاق والحماية والري
نبهانة1968نحو 86-87 مليون م³الري خصوصًا بوسط البلاد
سيدي سالم1982نحو 555 مليون م³ عند الإنجازأكبر خزان استراتيجي ضمن منظومة مجردة-الوطن القبلي
سيدي سعد1982نحو 200 مليون م³تخزين مياه زرود ودعم الري
سيدي البراقدخل الخدمة نهاية التسعيناتنحو 264-275 مليون م³ بحسب المرجعيةمياه الشرب والري وتحويل مياه الشمال

ويظل سد سيدي سالم حجر الزاوية في شبكة مياه الشمال، إذ يخدم منظومة واسعة تشمل مياه الشرب والري في عدة ولايات. أما سد سيدي البراق فقد أصبح عنصرًا حيويًا في نقل مياه الشمال نحو مناطق الاستهلاك الكبرى.

السدود تفقد جزءًا من طاقتها بسبب التوحل

عندما نقول إن سدًا ممتلئ بنسبة معينة، فإننا لا نتحدث دائمًا عن طاقته الأصلية عند بنائه. فمع مرور العقود تتراكم الرواسب والطمي في قاع البحيرات الاصطناعية، ما يقلص الحيز المتاح للمياه.

وتظهر حالة سد ملاق حجم المشكلة بوضوح. فقد كانت طاقته الأصلية في حدود 268 مليون متر مكعب، لكن خبراء أشاروا في 2026 إلى أن التوحل خفّض طاقته الفعلية بنحو 80% لتصل إلى قرابة 51 مليون متر مكعب فقط. كما تشير وثائق للبنك الدولي إلى أن متوسط تراكم الرواسب في الخزانات التونسية بلغ مستويات مهمة، وهو ما يجعل صيانة الأحواض والتشجير ومقاومة الانجراف جزءًا من الأمن المائي، وليس مجرد بناء سدود جديدة.

ماذا تبني تونس في 2026؟

أعلنت وزارة الفلاحة في سبتمبر 2026 أن شبكة السدود، التي تضم 37 منشأة منجزة، ستتعزز بست منشآت جديدة توجد في مراحل مختلفة من الإنجاز. وتندرج هذه المشاريع ضمن محاولة رفع نسبة تعبئة الموارد السطحية وتحسين نقل المياه بين المناطق التي تتوفر فيها الموارد والمناطق الأكثر عجزًا.

ومن أبرز المشاريع التي وردت في البرامج الرسمية خلال 2025 و2026:

  • سد ملاق العلوي: مشروع استراتيجي لتعويض جزء من الدور الذي كان يؤديه سد ملاق القديم المتضرر من التوحل والشيخوخة.
  • سد دويميس ببنزرت: من المنتظر أن يدخل الخدمة قبل نهاية 2026، بطاقة تخزين في حدود 45 مليون متر مكعب، مع ربطه بمنظومة تحويل مياه الشمال باتجاه سجنان ثم مناطق الاستهلاك.
  • خزان السعيدة بمنوبة: بلغت نسبة تقدم الأشغال نحو 91% في أغسطس 2026، بطاقة احتياطية تبلغ نحو 45 مليون متر مكعب، وبكلفة تقارب 214 مليون دينار.
  • خزان القلعة الكبرى: جزء من منظومة تدعيم التخزين والتحويل نحو الساحل والمناطق ذات الطلب المرتفع.
  • سد الرغاي وسد خالد/مشاريع تاسة: وردت ضمن البرامج الحكومية المتتالية لإنجاز منشآت جديدة وتوسيع قدرة الدولة على تعبئة مياه السيلان.

وكان مجلس وزاري في فيفري 2025 قد تحدث عن استكمال ملاق العلوي ودويميس وخزاني القلعة الكبرى والسعيدة بطاقة إجمالية إضافية معلنة تقارب 318 مليون متر مكعب، إلى جانب إطلاق مشاريع أخرى. كما خصص برنامج 2026 نحو 1.812 مليار دينار لمشاريع السدود والأشغال المائية الكبرى، مع هدف رفع تعبئة الموارد المائية السطحية من 95% إلى نحو 98%.

هل بناء سدود جديدة يكفي لحل أزمة المياه؟

لا. السدود أساسية، لكنها تعالج جزءًا فقط من المشكلة. البنك الدولي يعتبر تونس من البلدان التي تعاني ضغطًا مائيًا شديدًا جدًا. ووفق تقديرات واردة في تقاريره، تراجعت حصة الفرد من المياه المتجددة إلى مستويات أدنى بكثير من عتبة الشح المطلق البالغة 500 متر مكعب سنويًا للفرد، وقد تنخفض من نحو 357 مترًا مكعبًا للفرد في 2020 إلى قرابة 268 مترًا مكعبًا بحلول 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

كما أن المياه السطحية في تونس أصبحت معبأة تقريبًا إلى أقصى حد ممكن، بينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن استغلال المياه الجوفية وصل إلى نحو 133% من الموارد المتجددة في بعض الحسابات الوطنية، أي أن السحب من الموائد يفوق قدرتها الطبيعية على التجدد.

وهذا يعني أن كل متر مكعب إضافي في السدود مهم، لكنه لا يحل وحده معادلة تتضمن زيادة الطلب، وتراجع الأمطار، وارتفاع الحرارة، وتملح بعض الموائد الجوفية، وضعف مردودية الشبكات.

التسرب والتبخر: أزمة مياه داخل أزمة المياه

لا تتعلق المشكلة فقط بكمية الماء التي تدخل السدود، بل بكمية الماء التي تصل فعليًا إلى المستهلك أو الحقل. فقد أشار البنك الدولي إلى ارتفاع فاقد شبكات مياه الشرب من نحو 25% سنة 2010 إلى حوالي 34% سنة 2021.

كما تبقى شبكات الري القديمة، والتسربات، والتبخر من السطوح الواسعة للسدود، عوامل تستنزف جزءًا من الموارد قبل استخدامها. لذلك قد يكون تجديد الشبكات، أحيانًا، مساويًا في الأهمية لبناء منشأة تخزين جديدة.

ماذا عن تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة؟

بدأت تونس خلال السنوات الأخيرة في توسيع الاعتماد على الموارد غير التقليدية، خاصة تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه المعالجة. لكن مساهمتها ما زالت محدودة مقارنة بالمياه التقليدية؛ إذ تشير وثائق البنك الدولي الحديثة إلى أن التحلية تمثل حاليًا نحو 2% من الإمدادات المائية، بينما تمثل إعادة استعمال المياه المعالجة قرابة 1%.

وفي مارس 2026 وافق البنك الدولي على برنامج جديد بقيمة 332.5 مليون دولار لدعم الأمن المائي وتحسين خدمات مياه الشرب والري ورفع قدرة تونس على مواجهة الجفاف والتغير المناخي.

الأمطار الأخيرة في سبتمبر 2026: هل سترفع المخزون مجددًا؟

شهدت تونس خلال النصف الثاني من سبتمبر 2026 أمطارًا مهمة شملت عددًا كبيرًا من الولايات. ففي 20 سبتمبر سُجلت أمطار في 16 ولاية، مع كميات محلية مرتفعة في صفاقس والقصرين وسليانة ومناطق أخرى، كما سجل سد بئر مشارقة قبل ذلك 75 ملم خلال 24 ساعة.

هذه الأمطار مفيدة للتربة والموائد الجوفية والسدود، لكن ارتفاع نسبة الامتلاء لا يعتمد على كمية المطر وحدها؛ إذ يجب أن تتشبع التربة أولًا ثم يتحول جزء من الأمطار إلى جريان في الأودية يصل فعليًا إلى السدود. وحتى تاريخ تحديث هذا التقرير، لم نجد نشرًا رسميًا أحدث يمنح نسبة وطنية جديدة بعد رقم 50% المعلن في بداية سبتمبر، لذلك لا يصح تحويل الأمطار الأخيرة مباشرة إلى نسبة امتلاء جديدة دون بيانات رسمية.

هل انتهى خطر نقص المياه في تونس؟

الوصول إلى نحو 50% في بداية السنة المائية 2026-2027 أفضل بكثير من الدخول إليها بنسبة تقل عن 30% كما حدث قبل عام. كما أن الموسم المطري 2025-2026 أعاد تكوين جزء مهم من الاحتياطي، وامتلأت بعض سدود الشمال إلى مستويات مرتفعة جدًا خلال الشتاء والربيع.

لكن خمسة عوامل تمنع الاطمئنان الكامل: التفاوت الكبير بين الشمال والوسط، التوحل وفقدان السعة الأصلية لبعض السدود، الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، خسائر الشبكات والتبخر، وأخيرًا تغير المناخ الذي يجعل سنوات المطر والجفاف أكثر تقلبًا.

لذلك فإن قراءة رقم 50% يجب أن تكون كالتالي: تونس خرجت من أسوأ مرحلة في أزمة مخزون السدود، لكنها لم تخرج من أزمة ندرة المياه. الفرق بين الجملتين أساسي؛ الأولى مرتبطة بموسم أمطار جيد، أما الثانية فتتطلب سنوات من الاستثمار في التخزين والتحلية وإعادة استعمال المياه وتجديد الشبكات وحماية الموائد الجوفية وترشيد الاستهلاك.

الخطر العاجل تراجع، لكن الخطر الهيكلي لم ينته

تعافت السدود التونسية بصورة لافتة خلال 2026. فمن 23.1% في سبتمبر 2024 و29.3% في سبتمبر 2025، ارتفعت النسبة إلى نحو 50% في بداية سبتمبر 2026 بعد موسم وصلت فيه إلى قرابة 60% في جوان. هذا تحسن حقيقي وليس شكليًا.

لكن الأمن المائي لا يُقاس بنسبة امتلاء وطنية واحدة. فوسط البلاد ما زال أضعف بكثير من الشمال، وبعض السدود القديمة فقدت جزءًا كبيرًا من طاقتها بسبب التوحل، والموائد الجوفية تتعرض للاستغلال المفرط، وشبكات التوزيع تفقد كميات مهمة من المياه.

ومع دخول سدود ومنشآت جديدة الخدمة، وتوسع مشاريع التحلية والتحويل، يمكن لتونس أن تعزز هامش الأمان. غير أن الحل المستدام يبقى في إدارة كل دورة الماء: من سقوط المطر، إلى التخزين والتحويل، ثم التوزيع والاستهلاك وإعادة الاستخدام.

المصادر

اخترنا لكم