غاسترونوميا

تاريخ الكفتاجي التونسي: كيف تحولت أكلة الخضر المقلية إلى أيقونة أكلات الشارع في تونس؟

من أين جاء اسم الكفتاجي؟ ولماذا ارتبط بالقيروان وطعام الشارع في تونس؟ رحلة موثقة في أصل الاسم وانتشار الطبق، مع شواهد من الصحافة التونسية ومحلات تعود إلى 1931.
ترتبط كلمة «كفتاجي» على الأرجح بالكلمة التركية köfteci، أي بائع الكفتة أو صانعها.
ترتبط كلمة «كفتاجي» على الأرجح بالكلمة التركية köfteci، أي بائع الكفتة أو صانعها.

الكفتاجي اليوم واحد من أكثر الأطباق التصاقا بصورة المطبخ الشعبي التونسي. يقدم في المطاعم الصغيرة ومحلات الأكل السريع، ويؤكل في صحن أو داخل الخبز، ويجمع عادة الفلفل والطماطم والبيض والبطاطا والقرع أو اليقطين بحسب المنطقة والموسم. لكن اسمه يفتح بابا على تاريخ أطول من الوصفة نفسها، وهو تاريخ لا يمكن اختزاله في رواية واحدة سهلة.

الاسم أقدم من الطبق بصورته الحالية

ترتبط كلمة «كفتاجي» على الأرجح بالكلمة التركية köfteci، أي بائع الكفتة أو صانعها. وتشير جريدة الشروق التونسية إلى أن كلمتي الكفتة والكفتاجي دخلتا اللهجة التونسية عبر التركية العثمانية، التي أخذت بدورها كلمة الكفتة من الفارسية.

هذا لا يعني أن طبق الكفتاجي التونسي الحالي هو نفسه كفتة عثمانية. الأدق أن الاسم دخل البيئة التونسية في سياق التأثير العثماني ثم اكتسب معنى محليا جديدا، بينما تطورت الوصفة نفسها داخل المطبخ التونسي.

طبق لا يملك «وثيقة ميلاد» واحدة

لا توجد، بحسب ما أمكن تتبعه من المصادر المتاحة، وثيقة تاريخية واحدة تحدد اليوم أو المدينة التي ظهر فيها الكفتاجي بشكله الحالي. وهذا أمر طبيعي في تاريخ الأكلات الشعبية؛ فالوصفات التي تنشأ في البيوت والأسواق ومحلات الأكل لا تسجل دائما بالطريقة نفسها التي تسجل بها وصفات القصور أو كتب الطبخ الرسمية.

لذلك يتجنب الموندو نسبة «اختراع» الكفتاجي إلى مدينة أو شخص من دون وثيقة حاسمة. ما يمكن توثيقه بدرجة أفضل هو أصل الاسم، انتشار الطبق في المدن التونسية، وارتباطه القوي لاحقا بالقيروان وبمحلات الأكل الشعبي.

كيف دخلت البطاطا والطماطم والفلفل إلى القصة؟

جزء مهم من تاريخ الكفتاجي هو أن بعض مكوناته الرئيسية لم تكن موجودة أصلا في شمال أفريقيا منذ العصور القديمة. فالطماطم والفلفل والبطاطا نباتات ذات أصول أمريكية، وانتقلت إلى أوروبا وحوض المتوسط بعد الاتصال بين العالمين القديم والجديد، ثم اندمجت تدريجيا في المطابخ المحلية.

وهذا يوضح كيف تتشكل الأكلات فعليا: قد يحمل الاسم أثرا عثمانيا، وتأتي بعض المكونات من قارة أخرى، ويكون زيت الزيتون جزءا من بيئة المتوسط، ثم تعيد الثقافة المحلية تركيب كل هذه العناصر لتصنع طبقا تونسيا بامتياز.

القيروان والكفتاجي: شهرة قوية لا تعني بالضرورة «الاختراع»

ارتبط الكفتاجي في الذاكرة الغذائية الحديثة بمدينة القيروان ارتباطا قويا، وتشتهر المدينة بمحلات تقدم نسخا خاصة منه. وتناولت تقارير صحفية تونسية هذا الارتباط ضمن الحديث عن أكلات القيروان الشعبية، إلى جانب المقروض وأطباق أخرى.

مع ذلك، لا ينبغي تحويل هذه الشهرة إلى ادعاء بأن القيروان اخترعت الطبق من دون دليل تاريخي حاسم. الأدق أن نقول إن القيروان أصبحت واحدة من أهم المدن التي رسخت شهرة الكفتاجي وصورته الشعبية.

شاهد أيضا من قناة المخماخ: الكفتاجي القيرواني كما يُحضّر أمام الحرفاء عند قاسم الڨدّاح في باب القدّة.

الكفتاجي في تونس العاصمة منذ 1931 على الأقل

لدينا هنا مؤشر تاريخي أكثر تحديدا. فقد وثق موقع Les Agendas قصة محل «كفتاجي الجنوب» المعروف أيضا بكفتاجي الوصفان قرب السوق المركزية في تونس، وذكر أن نشاطه يعود إلى سنة 1931. كما نقل نون بوست عن صاحب المحل أن الجد بدأ التخصص في تحضير الكفتاجي في ذلك العام واستمرت المهنة داخل العائلة.

فيديو المخماخ عن كفتاجي الوصفان: جولة داخل المحل تكشف تاريخه وأسرار واحد من أشهر محلات الكفتاجي في تونس.

هذا لا يثبت أن سنة 1931 هي تاريخ ظهور الطبق في تونس، لكنه يقدم دليلا على أن تجارة الكفتاجي المتخصصة في العاصمة لها تاريخ يقارب قرنا على الأقل.

ماذا يوجد في الكفتاجي؟

لا توجد تركيبة واحدة إجبارية للكفتاجي في كل تونس. في بعض المناطق تقلى البطاطا والفلفل والطماطم والبيض، وفي أخرى يضاف القرع أو اليقطين أو الكوسة، وتدخل التوابل والهريسة والكروية أحيانا. وبعد القلي تفرم العناصر أو تقطع معا ثم تقدم مع الخبز أو داخله.

هذه المرونة جزء من قوة الطبق؛ فهو ليس وصفة محكومة بقياس واحد بقدر ما هو طريقة تونسية لتحويل مكونات بسيطة ومتاحة إلى وجبة سريعة ومشبعة.

ولمن يبحث عن الجانب التطبيقي، نشر الموندو دليلا مستقلا عن الكفتاجي التونسي الأصلي ومكوناته وطريقة تحضيره، ودليلا آخر عن كفتاجي القيروان وطريقة تحضيره. أما هذا المقال فيركز على التاريخ والتحول الثقافي للطبق، حتى لا تتنافس الصفحات الثلاث على نية البحث نفسها.

من المطبخ المنزلي إلى طعام الشارع

مع نمو المدن وانتشار المطاعم الشعبية، أصبح الكفتاجي مناسبا جدا لطعام الشارع: مكوناته متاحة، ويمكن قليها على دفعات وتقطيعها بسرعة أمام الزبون، كما يمكن تقديمها في سندويتش بسعر أقل من أطباق اللحوم.

وهذا الجانب الاقتصادي يفسر جزءا من استمراره. فالكفتاجي لم يبق طبقا مرتبطا بالمناسبات، بل أصبح أكلة يومية يمكن تعديل مكوناتها بحسب الموسم والقدرة الشرائية، وهو ما جعله جزءا من المشهد الحضري التونسي لا مجرد وصفة منزلية.

لماذا بقي الكفتاجي محبوبا؟

الكفتاجي يجمع عناصر كثيرة راسخة في الذائقة التونسية: الفلفل، زيت الزيتون، البيض، الهريسة، الخبز والخضر الموسمية. كما أنه يحتمل الاختلاف من محل إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى من دون أن يفقد هويته الأساسية.

وهذه القدرة على التكيف ربما تكون أهم من البحث عن «وصفة أصلية واحدة». فالطبق الشعبي يعيش لأنه يتغير مع الناس والأسواق والمواسم، لا لأنه يظل نسخة جامدة عبر الزمن.

طبق تونسي صنعته حركة التاريخ والمكونات

قصة الكفتاجي تكسر الفكرة الشائعة بأن «الأكلة الأصيلة» يجب أن تكون ثابتة منذ آلاف السنين. أصالة الطعام قد تأتي من الطريقة التي يعيد بها المجتمع تركيب عناصر من أزمنة وأماكن مختلفة ويمنحها معنى محليا جديدا.

في حالة الكفتاجي نجد اسما يحمل أثرا عثمانيا، ومكونات بعضها أمريكي الأصل، وتقنيات ومذاقات متوسطية وتونسية، ثم عقودا طويلة من الحضور في المطاعم الشعبية والأسواق. والنتيجة اليوم طبق تونسي لا يحتاج إلى أسطورة منشأ مبسطة حتى تكون له قيمة ثقافية.

المصادر والمراجع

اخترنا لكم