غاسترونوميا

الذاكرة الغذائية للبشرية: لماذا تبقى أطباق الأجداد ملجأً عاطفياً في عالم سريع التغير؟

لماذا تعيدنا رائحة طبق إلى بيت الطفولة؟ ما تقوله الدراسات عن علاقة الطعام بالذاكرة والحنين والراحة والهوية، مع أمثلة من التراث الغذائي التونسي.
امرأة مسنة تطهو في مطبخ تقليدي يرمز إلى انتقال وصفات الأجداد والذاكرة الغذائية
جدة نيبالية تُعد الطعام في مطبخ تقليدي. المصدر: Wikimedia Commons، Mithun Kunwar / Radomianin، ترخيص CC BY-SA 4.0.

قد ينسى الإنسان تفاصيل يوم كامل، لكنه يشم رائحة خبز أو مرق أو قهوة فيعود خلال ثوان إلى بيت عاش فيه قبل عشرات السنين. طبق من الملوخية، رائحة كسكسي يوم الجمعة، خبز يخرج من الفرن أو توابل كانت تستعملها الجدة قد تستدعي وجوها وأصواتا وأماكن دفعة واحدة. هذه التجربة ليست مجرد صورة أدبية؛ علم النفس يصف منذ سنوات قوة الروائح والأطعمة في استدعاء الذاكرة الذاتية والحنين.

لماذا ترتبط الرائحة بالذاكرة بهذه القوة؟

البحث في الذاكرة الشمية يظهر أن الروائح يمكن أن تكون محفزات مميزة للذكريات الشخصية. مراجعات علمية وجدت أن الذكريات التي تستدعيها الرائحة تميل إلى أن تكون عاطفية وأن تمنح الشخص إحساسا أقوى بأنه «عاد بالزمن» مقارنة ببعض المحفزات اللفظية أو البصرية. ويشار أحيانا إلى هذا باسم «تأثير بروست» نسبة إلى الوصف الأدبي الشهير لعودة الذكريات عبر مذاق ورائحة طعام.

مراجعة منشورة في 2023 حول الروائح والطعام والحنين خلصت إلى أن الذكريات الذاتية التي تثيرها حاستا الشم والتذوق يمكن أن تكون من أكثر الذكريات قوة وتأثيرا، وأنها غالبا شديدة الصلة بالذات ومألوفة ومشحونة عاطفيا.

الطعام لا يستدعي الماضي فقط

الدراسات لا تتعامل مع الحنين للطعام بوصفه استرجاعا سلبيا للماضي. دراسة منشورة في 2023 وجدت أن الطعام محفز قوي للحنين، وأن التجربة تكون غالبا إيجابية وترتبط بوظائف نفسية مثل المشاعر الإيجابية والتواصل الاجتماعي والإحساس بالمعنى.

وفي دراسة أحدث منشورة في عدد فبراير 2026 من مجلة Cognition and Emotion، ارتبط حنين الطعام بالشعور بالراحة، وأظهرت التجارب أن جزءا من هذه العلاقة يمكن تفسيره بزيادة الإحساس بالترابط الاجتماعي. بمعنى آخر، الطبق لا يريحنا فقط لأن طعمه مألوف، بل لأنه قد يذكرنا بأشخاص وبجلسات وبعلاقات كانت جزءا من تجربتنا معه.

الوصفة هي أكثر من قائمة مكونات

حين تنتقل وصفة من جدة إلى ابنتها ثم إلى الأحفاد لا تنتقل المقادير فقط. تنتقل طريقة العجن، ودرجة تحمير البصل، ومتى تضاف التوابل، وأي قدر يستخدم، وما المناسبة التي يُطبخ فيها الطبق، ومن يجلس حول المائدة. لذلك يمكن لوصفتين تحملان الاسم نفسه أن تكونا متشابهتين على الورق ومختلفتين تماما في الذاكرة.

وهذا ما يجعل التراث الغذائي «ممارسة» أكثر منه منتجا ثابتا. اليونسكو تؤكد في تناولها للتراث الغذائي غير المادي أن ما يُسجل ليس الطبق وحده، بل المعرفة والمهارات والممارسات الاجتماعية المرتبطة بالزراعة والتحضير والتناول ونقل الخبرة بين الأجيال.

مثال تونسي واضح: الهريسة والكسكسي

في تونس أدرجت اليونسكو سنة 2022 «معارف ومهارات وممارسات الطهي والممارسات الاجتماعية المرتبطة بالهريسة» ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية. ويصف الملف كيفية انتقال المعرفة داخل العائلات وبين النساء والجيران والمزارعين والمؤسسات التعليمية، أي أن قيمة الهريسة ليست في الفلفل والثوم والملح فقط، بل في شبكة كاملة من الممارسات الاجتماعية.

كما أن المعارف والممارسات المرتبطة بإنتاج واستهلاك الكسكسي مدرجة منذ 2020 ضمن عنصر مشترك بين تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. وهذه أمثلة على الفرق بين «توثيق طبق» وتوثيق الثقافة التي تمنحه معناه.

الهجرة تجعل الطعام أكثر قوة

بالنسبة للمهاجر قد يتحول مكون عادي في الوطن إلى شيء شديد القيمة في الخارج. كيس توابل، نوع خبز، زيت معين أو طبق منزلي قد يصبح رابطا ماديا بالمكان الذي غادره الشخص. ولهذا لا تعمل متاجر ومطاعم الجاليات كمنافذ بيع فقط؛ كثيرا ما تصبح نقاط لقاء تحفظ اللغة والعادات والروابط الاجتماعية.

وقد أظهرت أبحاث نوعية حول الطعام والحنين أن المشاركين يربطون الأطعمة الحنينية بالاستمرارية في الهوية وبالاتصال الاجتماعي، خصوصا عبر مراحل الحياة والتغيرات الكبرى.

هل ذكريات الطعام دقيقة؟

ليس بالضرورة. الذاكرة ليست تسجيل فيديو محفوظا كما هو. نحن نعيد بناء الذكريات، وقد تزداد رومانسية بعض التفاصيل بمرور الزمن. قد يقول شخص إن «طعم خبز الجدة لم يعد موجودا»، بينما يكون جزء من الفرق في الحقيقة مرتبطا بالسياق: كان أصغر سنا، والمائدة مختلفة، والأشخاص الذين أحبهم كانوا موجودين.

هذا لا يجعل الذكرى كاذبة؛ بل يوضح أن تجربة الطعام تجمع بين المذاق والظرف الاجتماعي والعاطفة.

الوصفات التقليدية تتغير أيضا

كلمة «تقليدي» لا تعني أن الوصفة بقيت ثابتة منذ آلاف السنين. كثير من مكونات المطابخ الحالية سافرت بين القارات في فترات تاريخية مختلفة. الطماطم والفلفل والبطاطس، مثلا، جاءت من الأمريكتين ثم أصبحت لاحقا أساسية في مطابخ أوروبا وشمال أفريقيا وآسيا.

التراث الحي يتغير. يمكن لوصفة أن تتكيف مع المكونات المتاحة أو أدوات الطبخ الجديدة من دون أن تفقد جذورها. المشكلة ليست في التحديث، بل في اختفاء المعرفة القديمة من دون أن يتم توثيقها.

ماذا نفقد عندما تتوقف العائلة عن الطبخ؟

بعض التقنيات لا توجد في كتاب ولا في وصفة رقمية. الطاهي يعرف قوام العجين باليد، أو يعرف من الرائحة أن المرق وصل إلى المرحلة المطلوبة، أو يحدد كمية الماء بالنظر لا بالميزان. إذا مات آخر شخص يعرف التقنية ولم ينقلها، قد يبقى اسم الطبق بينما تضيع طريقته الأصلية.

التوثيق الرقمي فرصة حقيقية

الفيديو والهاتف المحمول والمنصات الرقمية أعطت العائلات والمجتمعات أداة لم تكن متاحة للأجيال السابقة. يمكن تصوير الجدة وهي تطهو، وتسجيل أسماء الأدوات باللهجة المحلية، وشرح الموسم والمناسبة ومن أين يأتي المكون. هذا النوع من التوثيق أغنى بكثير من كتابة «500 غرام دقيق وملعقة ملح» فقط.

وفي 2025 و2026 واصلت اليونسكو إبراز «طرق الطعام» والممارسات المرتبطة به كجزء متزايد من التراث غير المادي، مع التأكيد على أن القيمة تكمن في المعرفة الاجتماعية المتوارثة لا في تحويل الطعام إلى قطعة متحفية جامدة.

لماذا نطلب طعام الطفولة وقت الضغط؟

حين يصبح العالم غير متوقع، يمنح الطعام المألوف إحساسا بالتوقع والاستمرارية. دراسة 2026 حول حنين الطعام والراحة أظهرت أن الترابط الاجتماعي جزء مهم من هذه العلاقة. لذلك قد لا يكون الشخص في الحقيقة يبحث عن المكرونة أو الشوربة نفسها؛ ربما يبحث عن الإحساس الذي كان يرافقها عندما كان يجلس مع العائلة.

الحنين ليس دائما إيجابيا

من المهم عدم تحويل الفكرة إلى قاعدة رومانسية مطلقة. الطعام قد يرتبط أيضا بذكريات حزينة أو فقد أو فقر أو توتر عائلي، ولذلك تختلف الاستجابة من شخص إلى آخر. الأبحاث تصف الاتجاه العام لكنها لا تقول إن كل طبق من الطفولة يمنح الراحة لكل شخص.

لهذا تبقى أطباق الأجداد مهمة حتى في عصر التوصيل السريع والمطابخ العالمية. نحن لا نأكل المغذيات وحدها؛ نأكل سياقا اجتماعيا وذكريات وأماكن وأصواتا. وقد يصبح طبق بسيط أقصر طريق بين الحاضر وبيت لم نعد نسكنه، أو شخص لم يعد يجلس معنا إلى المائدة.

مصادر موثقة

اخترنا لكم