رفات بشري يحول إلى سماد عضوي .. تعرف على أحدث تقنيات الموت المستدامة في أمريكا

خاص-“الموندو”- شمس الدين النقاز” نشر موقع “ناو” العلمي تقريرا للكاتبة “كيلي ماكسويني” تحدثت فيه عن تقنية “الاختزال العضوي الطبيعي” كتقنية مستدامة من شأنها تعويض الممارسات الجنائزية السائدة والتمهيد لتوظيف الرفات البشري لغايات تخدم الطبيعة.

وتقول الكاتبة في مستهل التقرير أنه إذا كانت فكرة تحويل الجسم إلى سماد تشعر الكثيرين بالاشمئزاز، فالجميع لا يحبذ فكرة الموت بتاتا خاصة عندما يتعلق الأمر بالجانب المادي لما يحدث لأجسادنا بعد أن نفارق الحياة. لكن أساليبنا التقليدية لمواراة الرفات البشري كالدفن والحرق لا تكون في غالب الأحيان صديقة للطبيعة كما نتصور.

على الأرض عشنا وإليها نعود

بينما يحبذ الأغلبية الممارسات الجنائزية التقليدية التي كونا حولها دراية وتجربة كافية، إلا أن الطرق المعتمدة في الكثير من الثقافات كالحرق والتحنيط ليست صديقة للبيئة، إذ تستهلك هذه الأساليب الموارد الطبيعية وتلوث الأرض.

ووفقا لمجلة “ساينس” تشغل المقابر حوالي 500 كيلومتر مربع من مساحة الولايات المتحدة وحدها، بينما تستعمل ملايين اللترات من المواد الكيميائية للقيام بعملية التحنيط كل عام. وغالبا ما يُنظر إلى حرق الجثث على أنه الخيار الأقل تكلفة والأكثر مراعاة للبيئة، ولكن العملية تستهلك الكثير من الغاز الطبيعي وتنتج كميات لايستهان بها من الانبعاثات الدفيئة.

بعد أن أصبحت واشنطن في مايو 2020 أول ولاية تقنن الاختزال العضوي الطبيعي وهو التعبير العلمي لتقنية تحويل الرفات البشري لسماد عضوي، قال “جيمي بيدرسن”، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية واشنطن الذي قدم مشروع القانون أن عملية الاختزال تنتهي بتحويل الجثة لتربة صالحة للزراعة.

تضمن مشروع القانون خيارا آخر يسمى “التحلل المائي القلوي”، وهي طريقة تعتمد على الماء لتحويل الجسم إلى غبار. إذ يتم وضع الجثمان في وعاء من الماء الدافئ يحتوي على محلول هيدروكسيد الصوديوم، ويعمل السائل والحرارة والضغط على تأدية المهمة. وقد قالت صحيفة “الغارديان” أن هذه الطريقة تعتمد في ما لا يقل عن 19 ولاية أمريكية وفي بعض أجزاء المملكة المتحدة منذ التسعينيات.

تشمل الخيارات الأخرى الصديقة للأرض الدفن بطريقة طبيعية بدون استعمال مواد كيميائية لحفظ الجثة واستعمال توابيت مصنوعة من مواد قابلة للتحلل إذا استدعت الحاجة. ويذكر أنه في عام 2019، تم دفن الممثل “لوك باري” مرتديا بدلة خاصة مصممة للمساعدة على تحويل جثته لسماد عضوي صنعت من عيش الغراب وكائنات دقيقة أخرى لتسهيل عملية التسميد ونقل العناصر الغذائية إلى النباتات وتحييد السموم، حسب ما نقلته صحيفة “النيويوركر” آنذاك.

كيف يتحلل الرفات ليتحول لسماد طبيعي؟

بدأت فكرة تقنين عملية الاختزال العضوي الطبيعي عندما اتصلت “كاترينا سبيد”، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “ريكومبوز” الناشئة، بالسيناتور بيدرسن وشرحت له الفكرة التي تعتمد على تصميم تقنية لتسريع ما يحدث بشكل طبيعي للرفات بعد الموت، أي عملية التحلل وذلك من خلال خلق ظروف معينة  تسمح للكائنات الدقيقة المسؤولة على تحلل الجثة بالنمو وهو ما من شأنه أن يحول الجسم إلى تربة خصبة في غضون 30 يوما  فقط.

كان للسيناتور شكوك حول العملية، إذ قال: “كنت قلقا بشكل رئيسي أنه إذا سمحنا بتطبيق هذه التقنية المختلفة، فهل سيكون لدينا أي ضمان بعدم انتشار الأمراض بسببها”. ولكن بعد العديد من الاستشارات اطلع بيدرسن على دراسة اجرتها جامعة واشنطن  حول خيارات الاختزال العضوي الطبيعي والتي خلصت إلى أنه بفضل هذه التقنية “يتحول الرفات إلى تربة لا يمكن تمييزها عن تربة البستنة مع عدم وجود احتمال لانتقال المرض”.

وليس هذا فحسب بل تطابق التربة العضوية المستخلصة من الرفات معايير السلامة التي حددتها وكالة حماية البيئة الأمريكية في ما يخص مجموعة من الملوثات مثل المعادن الثقيلة وغيرها، كما تشكل سمادا آمن وفعال للغاية يستعمل على نطاق واسع في الزراعة حسب مجلة “ساينس”.

يقول “توماس باس”، باحث الزراعة المستدامة والأستاذ في جامعة ولاية مونتانا، أن عملية الاختزال العضوي الطبيعي شائعة جدا في جميع أنحاء الولايات المتحدة وغالبا ما يوصى بإتباعها بالنسبة للحيوانات. وكجزء من وظيفته  ينصح باس المزارعين بما يجب عليهم فعله في حالة اصابة حيواناتهم بالمرض (إنفلونزا الطيور على سبيل المثال) وغالبا ما يكون التسميد هو الخيار الأفضل لتقليل مسببات الأمراض لأن الحرارة الطبيعية المنبعثة من الكائنات الحية الدقيقة مثل البكتيريا والفطريات تقتل الفيروس أثناء عملية التحلل.

عندما يضطر المزارع أو مربي الماشية للتعامل مع نفوق حيواناته فإن دفنها لا يكون حلا مثاليا نظرا للمساحة الشاسعة والثمينة من أرض المزرعة التي سيتطلبها الأمر، فضلا عن طول عملية التحلل الطبيعي.

شارك “باس” في كتابة تقرير عن السماد المستخرج من الماشية نشرته جامعة ولاية مونتانا. ويوضح مؤلفو التقريرأنه يمكن للمزارعين أن ينظروا للاختزال العضوي الطبيعي كتقنية تعتمد على زراعة الكائنات الحية الدقيقة المفيدة.

وفي مجال الزراعة  تعتبر العملية بسيطة ولا تحتاج إلا إلى مصدر غذائي (الرفات) والقليل من النيتروجين (يستخرج من النبات الأخضراللون) والكثير من الكربون (المستخرج من رقائق الخشب أو سيقان الذرة على سبيل المثال)، مع التأكد من تحفيز تدفق الأكسجين من خلال ضمان تهوية جيدة وتقليب السماد على فترات زمنية معينة. في ظل هذه الظروف تقلل الكائنات الحية الدقيقة من النفايات التي يفرزها الرفات وتعمل على رفع درجات الحرارة بما يكفي لقتل العديد من مسببات الأمراض. ويوضح “باس” قائلا: “إن الأمر يتعلق باستخدام هذه الميكروبات المفيدة لتحويل الرفات إلى المغذيات وعناصر ومركبات أساسية بسرعة.”

أما من جهة أخرى تعتمد شركة “ريكومبوز” عملية مماثلة لتسريع تحلل الرفات البشري وذلك عبر وضع الجثة في وعاء به خليط ثقيل من الكربون والنيتروجين الموجودة في رقائق الخشب والبرسيم والقش مع توفير نظام تهوية مناسب لتشجيع نمو الميكروبات. وفي غضون شهر تتحلل الجثة لتحول إلى كمية من التربة تعادل حمولة عربيتين يدويتين.

تقنيات الموت المستدامة واحترام الذات البشرية.. هل تختلف العملية من بين رفات البشر وبقايا الحيوانات؟

قد يكون الاختزال العضوي الطبيعي من الناحية التقنية طريقة مثالية لتطويع الجثة البشرية وتحويلها لسماد مفيد، ولكن تطبيق هذه الممارسة الزراعية الشائعة على الرفات البشري يكون أكثر تعقيدا من الناحية الثقافية. فهناك مجموعة متنوعة من التقاليد الجنائزية حول العالم، بدءا من التحنيط إلى الدفن وحرق الجثث، بالإضافة إلى خيارات أخرى أكثر استدامة ومن بينها الاختزال العضوي الطبيعي.

وبالنسبة للسيناتور “بيدرسن” يتعلق الأمر “بقضية شخصية للغاية تتمحور حول جوهر ما يعنيه أن تكون إنسانا”، فسواء كانت النتيجة النهائية عبارة عن صندوق يحتوي على جثة محنطة أو جرة من الرماد أو عربة يد من التربة، يمكن للأحبة تكريم فقيدهم بطرق مختلفة.

يقول عضو مجلس الشيوخ إنه خلال جلسة تمرير القانون جاءت الشهادة الأكثر إقناعا من صديق لمريضة تعاني من السرطان كانت قد تطوعت لتكون جزءا من دراسة تسميد الرفات البشري التي قامت بها جامعة واشنطن.

كانت المتطوعة ناشطة بيئية بارزة وقد عبرت قبل وفاتها عن حزنها لفكرة دفنها باستعمال كمية كبيرة من المواد الكيميائية، أو أن تشغل جثتها مكانا دائما على الأرض أو حرق جثثها باستخدام كل هذه الطاقة المهدورة. وقد كان من دواعي ارتياحها النفسي الكبير أن تعرف أنها من خلال المشاركة في الدراسة كانت تساعد في تمهيد الطريق لاعتماد تقنيات الموت

Adv

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى