يُعد أحمد ياسين واحدا من أبرز الشخصيات الفلسطينية التي ارتبط اسمها بصعود التيار الإسلامي السياسي في قطاع غزة وتأسيس حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في أواخر ثمانينات القرن العشرين. وقد تحولت سيرته، من اللجوء بعد حرب 1948 والإعاقة الجسدية إلى العمل الدعوي والتنظيمي ثم السجن والقيادة السياسية، إلى جزء أساسي من تاريخ الحركة الفلسطينية المعاصر.
تحديث تحريري – سبتمبر 2026: تمت مراجعة هذا المقال وتصحيح عدد من التواريخ والوقائع، مع فصل المعلومات التاريخية الموثقة عن اللغة التقييمية والسياسية. كما تم الإبقاء على الفيديو الأصلي للموندو.
الميلاد واللجوء إلى غزة
تختلف المصادر في تحديد سنة وتاريخ ميلاد أحمد إسماعيل ياسين بدقة. وتذكر مصادر مرجعية عديدة أنه وُلد نحو سنة 1936 في قرية الجورة قرب عسقلان في فلسطين الانتدابية، بينما تورد مصادر أخرى سنوات أو تواريخ مختلفة. لذلك فإن التعامل مع يوم محدد مثل «28 يونيو 1936» باعتباره تاريخا قطعيا ليس آمنا من الناحية التوثيقية.
في حرب 1948 نزحت أو هُجرت عائلته من قريتها إلى قطاع غزة، واستقرت في مخيم الشاطئ للاجئين. وكانت تجربة اللجوء من العوامل التي شكلت وعيه السياسي والديني في شبابه.
الإصابة التي غيرت حياته
أصيب ياسين في شبابه إصابة خطيرة في العمود الفقري أثناء نشاط رياضي. وتختلف المصادر أيضا في تحديد عمره وقت الحادثة؛ فبعضها يضعها في نحو سن 12، وأخرى في منتصف سنوات المراهقة. وأدت الإصابة مع مرور الوقت إلى شلل شديد جعله يعتمد على كرسي متحرك، كما عانى لاحقا مشكلات صحية وبصرية وسمعية متعددة.
واصل تعليمه وعمل مدرسا، ثم أمضى فترة في القاهرة حيث درس في جامعة عين شمس واحتك بأفكار جماعة الإخوان المسلمين. ولم يكمل دراسته الجامعية هناك، وعاد إلى قطاع غزة ليواصل التدريس والنشاط الديني والاجتماعي.
المجمع الإسلامي: 1973 لا 1967
من أبرز التصحيحات في النسخة القديمة من المقال تاريخ تأسيس «المجمع الإسلامي». فالمصادر البحثية والمرجعية تضع بداية المجمع الإسلامي في غزة سنة 1973 بقيادة أحمد ياسين وعدد من رفاقه في التيار الإسلامي، وليس سنة 1967.
ركز المجمع في بداياته على الدعوة والتعليم والعمل الخيري والاجتماعي وبناء شبكة من المساجد والخدمات والمؤسسات. وفي أواخر السبعينات حصل على تسجيل أو ترخيص رسمي من السلطات الإسرائيلية التي كانت تدير قطاع غزة آنذاك؛ وتختلف المصادر في تحديد سنة التسجيل بين 1978 و1979.
في تلك المرحلة كان التيار الإسلامي الذي يقوده ياسين ينافس التيارات القومية واليسارية ومنظمة التحرير الفلسطينية داخل المجتمع الفلسطيني، ولم يكن قد تبنى بعد الشكل العسكري الذي عُرفت به حماس لاحقا.
الانتقال نحو النشاط المسلح والاعتقال الأول
في مطلع الثمانينات بدأت مجموعات مرتبطة ببيئة المجمع الإسلامي تبحث في إنشاء بنية مسلحة. وتذكر مصادر بحثية أن ياسين ساهم في تأسيس تنظيم مسلح مبكر عُرف في بعض المصادر باسم «المجاهدون الفلسطينيون» أو بتسميات قريبة.
اعتقلته السلطات الإسرائيلية في 1983 أو 1984 بعد اكتشاف أسلحة، ووجهت إليه اتهامات بتشكيل تنظيم عسكري وحيازة أسلحة بصورة غير قانونية. وتختلف المصادر في طول الحكم الذي صدر بحقه، لكنها تتفق على أنه أُفرج عنه سنة 1985 ضمن صفقة تبادل أسرى بين إسرائيل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة.
تأسيس حماس سنة 1987
مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ديسمبر 1987، أسس أحمد ياسين وعدد من قادة التيار الإسلامي في غزة حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، بوصفها امتدادا فلسطينيا لبيئة الإخوان المسلمين ولكن مع دخول مباشر في الصراع السياسي والمسلح ضد إسرائيل.
جمعت حماس منذ بدايتها بين النشاط الديني والاجتماعي والسياسي والعمل المسلح. وفي ميثاقها الصادر سنة 1988 تبنت رؤية إسلامية للصراع ورفضت الاعتراف بإسرائيل ودعت إلى تحرير فلسطين. وقد تطورت بعض الصياغات السياسية للحركة في وثائق لاحقة بعد وفاة ياسين، لذلك يجب التفريق بين خطاب الحركة في عهده وبين وثائقها السياسية اللاحقة.
اليوم تختلف توصيفات الحركة باختلاف الأطراف: حماس وأنصارها يقدمونها باعتبارها حركة مقاومة فلسطينية، في حين تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية منذ 1997، وتحظر المملكة المتحدة الحركة كاملة منذ 2021، كما تخضع حماس وأفراد وكيانات مرتبطة بها لإجراءات مكافحة الإرهاب والعقوبات في الاتحاد الأوروبي.
اعتقال 1989 والحكم الطويل
اعتقلت إسرائيل أحمد ياسين مجددا سنة 1989. وصدر بحقه حكم بالسجن مدى الحياة في قضية تضمنت اتهامات تتعلق بقيادة حماس والتورط في أعمال عنف، من بينها خطف وقتل جنود إسرائيليين. وبقي في السجن حتى سنة 1997.
خلال سنوات سجنه ازدادت مكانته الرمزية والتنظيمية داخل حماس، بينما توسع الجناح العسكري للحركة ونفذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية، شملت خلال التسعينات تفجيرات انتحارية استهدفت مدنيين، إلى جانب هجمات استهدفت قوات إسرائيلية.
وفي المقابل شهدت الأراضي الفلسطينية أعمال عنف واسعة ضد الفلسطينيين أيضا. ففي 25 فبراير 1994 قتل المستوطن الإسرائيلي باروخ غولدشتاين 29 مصليا فلسطينيا داخل الحرم الإبراهيمي في الخليل وأصاب عشرات آخرين، في مجزرة أدانها مجلس الأمن والمجتمع الدولي.
الإفراج عنه بعد محاولة اغتيال خالد مشعل
في سبتمبر 1997 حاول عملاء إسرائيليون اغتيال خالد مشعل، أحد أبرز قادة حماس، في العاصمة الأردنية عمّان باستخدام مادة سامة. ألقت السلطات الأردنية القبض على اثنين من العملاء، وتحولت القضية إلى أزمة حادة بين الأردن وإسرائيل.
طالب الملك حسين إسرائيل بتقديم الترياق لإنقاذ مشعل، وانتهت الأزمة باتفاق أعادت بموجبه إسرائيل عملاءها وأفرجت عن أحمد ياسين وعدد من السجناء الفلسطينيين. عاد ياسين إلى غزة في أكتوبر 1997 بعد نحو ثماني سنوات في السجن.
علاقته بالسلطة الفلسطينية
بعد تأسيس السلطة الفلسطينية في أعقاب اتفاقات أوسلو، كانت علاقة حماس بقيادة ياسر عرفات شديدة التوتر. رفضت حماس اتفاق أوسلو وخيار التسوية الذي تبنته منظمة التحرير، بينما سعت السلطة إلى الحد من الهجمات المسلحة التي كانت تهدد العملية السياسية وتعرض الفلسطينيين وإسرائيل لموجات جديدة من العنف.
تعرض ياسين خلال هذه المرحلة لإجراءات تقييد وإقامة جبرية من جانب السلطة الفلسطينية في مناسبات مختلفة، في إطار الصراع بين قيادة السلطة وحماس على السياسة والأمن والنفوذ داخل المجتمع الفلسطيني.
محاولة قتله سنة 2003
في سبتمبر 2003 استهدفت إسرائيل اجتماعا لقيادات من حماس في غزة بضربة جوية كان أحمد ياسين موجودا فيه. نجا من الهجوم مصابا بجروح طفيفة نسبيا. وكانت إسرائيل تعتبره مسؤولا سياسيا وروحيا عن حركة نفذت هجمات أوقعت قتلى إسرائيليين، بينما أثار استهداف القيادات الفلسطينية بهذه الطريقة انتقادات دولية تتعلق بالقتل المستهدف ومخاطره على المدنيين.
مقتله في 22 مارس 2004
فجر 22 مارس 2004 استهدفت مروحيات إسرائيلية أحمد ياسين بعد خروجه من صلاة الفجر في مسجد قريب من منزله في مدينة غزة. قُتل ياسين في الضربة، كما قُتل عدد آخر من الفلسطينيين وأصيب آخرون.
كان عمره نحو 67 عاما وفقا للمصادر التي تضع ميلاده قرابة 1936، وليس 68 عاما بصورة مؤكدة كما جاء في النسخة القديمة. وبسبب الاختلاف في تاريخ ميلاده، تظل صيغة «نحو 67 عاما» أكثر دقة.
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون تأييده للعملية واعتبر ياسين مسؤولا عن هجمات ضد إسرائيليين. في المقابل أدانت حكومات وجهات دولية عديدة قتله، وحذرت من أن العملية قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد. وشهدت غزة جنازة جماهيرية ضخمة بعد مقتله.
كيف تُقرأ سيرته تاريخيا؟
يصعب فهم أحمد ياسين من خلال توصيف أحادي. بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الفلسطينيين والعرب، ارتبط اسمه بالمقاومة واللجوء ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وبالنسبة إلى إسرائيل ودول تصنف حماس منظمة إرهابية، كان زعيم حركة مسؤولة عن هجمات متعمدة أو عشوائية أوقعت مدنيين.
والعرض التاريخي الدقيق يقتضي تسجيل الجانبين من دون تحويل السيرة إلى دعاية: ياسين كان داعية وناشطا اجتماعيا قبل أن يصبح مؤسسا وقائدا لحماس، والحركة نفسها جمعت بين شبكة اجتماعية وسياسية واسعة وبين جناح عسكري نفذ هجمات ضد قوات ومدنيين إسرائيليين. كما أن السياق الذي نشأت فيه الحركة كان سياق احتلال عسكري وانتفاضة وصراع فلسطيني داخلي وعنف متبادل متصاعد.
توفي أحمد ياسين سنة 2004، لكن أثره ظل حاضرا في بنية حماس وخطابها وفي الجدل الأوسع حول المقاومة المسلحة والتسوية السياسية ومستقبل القضية الفلسطينية.
شاهدوا الفيديو الخاص بالشيخ أحمد ياسين
https://youtu.be/z9O0z3wlsnU

