على واحدة من أعلى قمم سلسلة طوروس الشرقية في جنوب شرق تركيا، يرتفع موقع جبل نمرود الأثري إلى نحو 2150 مترا فوق سطح البحر. وعلى القمة أقام الملك أنطيوخوس الأول، حاكم مملكة كوماجين في القرن الأول قبل الميلاد، واحدا من أكثر المشروعات الجنائزية طموحا في العصر الهلنستي.
أُدرج الموقع سنة 1987 على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وهو معروف اليوم بالتماثيل الحجرية الضخمة والرؤوس التي سقطت منها، وبالتل الجنائزي الصناعي الذي يهيمن على القمة.
مملكة بين الشرق والغرب
كانت كوماجين مملكة صغيرة قامت شمال سوريا والفرات بعد تفكك إمبراطورية الإسكندر الأكبر. وتظهر ثقافتها مزيجا واضحا من التقاليد اليونانية والفارسية والأناضولية، وهو ما يتجسد بقوة في مجمع جبل نمرود.
حكم أنطيوخوس الأول كوماجين بين نحو 69 و34 قبل الميلاد. وقدّم نفسه في النقوش بوصفه وريثا لسلالتين: نسب فارسي من جهة الأب يعود، بصورة شبه أسطورية، إلى داريوس؛ ونسب مقدوني من جهة الأم يصل إلى الإسكندر الأكبر. وكان هذا المزج جزءا من مشروع سياسي وديني يربط مملكته بعالمي الشرق والغرب.
ليس مجرد «معبد»
تصف اليونسكو الموقع بكلمة Hierothesion، أي مجمع مقدس يجمع بين «معبد-قبر وبيت للآلهة». يتوسطه تل جنائزي صناعي ضخم من شظايا الحجر قطره نحو 145 مترا وارتفاعه الحالي قرابة 50 مترا؛ ويُقدر أن ارتفاعه الأصلي كان يصل إلى نحو 60 مترا قبل التعرية والتدخلات القديمة.
تحيط بالتل ثلاث مصاطب رئيسية: شرقية وغربية وشمالية. وعلى المصطبتين الشرقية والغربية كانت تقوم خمسة تماثيل جالسة ضخمة من الحجر الجيري، محاطة بتماثيل حارسة لأسد ونسر عند الأطراف.
من تمثل التماثيل؟
لا تمثل المنحوتات «آلهة يونانية وأرمينية وفارسية منفصلة» كما تذكر بعض المواد الشعبية، بل تجسد بانثيونا توفيقيا يمزج هويات دينية متعددة. من أبرزها زيوس-أورومزدس، الذي يجمع بين زيوس والتقاليد الإيرانية المرتبطة بأهورامزدا؛ وهيراكليس-أرتاغنيس؛ وأبولون-ميثراس؛ إلى جانب إلهة كوماجين والملك أنطيوخوس نفسه.
وتظهر على اللوحات أيضا سلاسل الأجداد الفرس من جهة الأب والمقدونيين من جهة الأم. لذلك ترى اليونسكو في الموقع دليلا استثنائيا على الطبيعة المزدوجة، اليونانية والفارسية، لثقافة كوماجين، مع حضور واضح للفن الأناضولي المحلي.
هل بُني سنة 62 قبل الميلاد؟
يرتبط تاريخ 62–61 قبل الميلاد بلوحة فلكية شهيرة تعرف باسم «برج الأسد» على المصطبة الغربية. ويعتقد باحثون أن ترتيب النجوم والكواكب فيها يشير إلى تاريخ مهم في تأسيس منطقة العبادة أو في عهد أنطيوخوس. لذلك من الأدق القول إن المجمع أُنشئ في القرن الأول قبل الميلاد في عهد أنطيوخوس، وإن 62–61 ق.م تاريخ مقترح مرتبط باللوحة، لا تاريخ بناء مثبت لكل حجر في الموقع.
أين قبر أنطيوخوس؟
صُمم المجمع ليكون ضريحا لأنطيوخوس الأول، وتشير النقوش والمخطط إلى وجود قبر الملك داخل أو أسفل التل. لكن المفارقة أن حجرة الدفن نفسها لم تُكتشف حتى اليوم. وتذكر مصادر تركية رسمية أن الباحثين لم يعثروا بعد على الغرفة التي يفترض أنها تحتوي رفات الملك أو رماده.
لهذا يجب التفريق بين القول إن جبل نمرود هو «ضريح أنطيوخوس» وبين الادعاء بأن قبره الداخلي عُثر عليه فعلا؛ الأول ثابت من طبيعة الموقع والنقوش، أما الثاني فلم يحدث.
لماذا أصبحت الرؤوس على الأرض؟
توجد اليوم رؤوس التماثيل العملاقة منفصلة عن أجسادها على المستويات السفلى من المصاطب. ولا تسمح الأدلة المتاحة بالجزم بأنها قُطعت عمدا بسبب «خلافات دينية».
تشير اليونسكو إلى أن الموقع تأثر على مدى قرون بالتعرية الشديدة، وتقلبات الحرارة اليومية والموسمية، والتجمد والذوبان والرياح والثلوج، كما يقع في منطقة زلزالية نشطة قرب صدع شرق الأناضول. هذه العوامل تمثل تهديدا موثقا للتماثيل واللوحات والتل الجنائزي. لذلك يظل السبب الدقيق لسقوط الرؤوس غير محسوم، ولا يمكن تقديم فرضية التخريب الديني بوصفها حقيقة ثابتة.
اكتشافه الحديث سنة 1881
ظل الموقع خارج اهتمام البحث الأثري الحديث حتى سنة 1881، عندما وصل إليه المهندس الألماني كارل سيستر أثناء عمله في المنطقة. ظن سيستر في البداية أن الآثار آشورية، ثم جذبت تقاريره اهتمام الباحثين الألمان.
في سنة 1882 عاد سيستر مع عالم الآثار أوتو بوخشتاين لإجراء أول توثيق منظم، ثم جاءت بعثات أخرى، بينها أعمال عثمان حمدي بك وأوسغان أفندي سنة 1883، ولاحقا أبحاث تيريزا غويل وكارل دورنر في القرن العشرين.
تسعة أطنان لبعض الكتل
تصف اليونسكو بناء جبل نمرود بأنه إنجاز هندسي وفني استثنائي للعصر الهلنستي. بعض الكتل الحجرية المستخدمة في التماثيل والمنشآت يصل وزنها إلى نحو تسعة أطنان، وهو ما يوضح حجم التحدي التقني في رفعها وتركيبها على قمة جبلية بهذا الارتفاع قبل أكثر من ألفي سنة.
أما شروق الشمس وغروبها من القمة فهما اليوم من أشهر التجارب السياحية في الموقع، لكن عبارة «أفضل مكان في العالم» تبقى وصفا ترويجيا لا حقيقة قابلة للقياس.
ما علاقة اسم نمرود بملك بابل؟
تربط روايات شعبية اسم الجبل بشخصية نمرود المعروفة في تقاليد دينية قديمة، لكن لا توجد صلة أثرية مثبتة بين آثار القمة وهذه الشخصية. المجمع الذي نراه اليوم يعود بوضوح إلى مملكة كوماجين وعهد أنطيوخوس الأول في القرن الأول قبل الميلاد.
شاهدوا الفيديو الخاص حول جبل نمرود
المصادر
UNESCO World Heritage Centre — Nemrut Dağ.
وزارة الثقافة والسياحة التركية — Nemrut Dağı Tümülüsü.
Commagene Nemrut Conservation and Development Programme — أبحاث واكتشاف الموقع.

