في ضواحي العاصمة الغانية أكرا، وخصوصا في منطقة Teshie-Nungua، تطورت منذ منتصف القرن العشرين صناعة فنية جنائزية لافتة لدى شعب Ga: توابيت خشبية مجسمة قد تتخذ شكل سمكة أو سيارة أو طائرة أو ثمرة فلفل أو كتاب مقدس أو هاتف محمول. وقد اشتهرت عالميا باسم Fantasy Coffins أو «التوابيت الفنية/المجسمة».
ليست «نعوشا غريبة» فقط
بالنسبة إلى السياح أو زوار المتاحف قد تبدو هذه التوابيت طريفة أو غرائبية، لكن معناها داخل ثقافة Ga أعمق من ذلك. فالنعش قد يختصر جانبا مهما من حياة المتوفى أو مهنته أو مكانته الاجتماعية أو طموحاته.
قد يُدفن صياد في تابوت على شكل سمكة أو قارب، وسائق أو رجل أعمال في سيارة، ومزارع في ثمرة أو محصول ارتبط بعمله، وشخص ارتبط بالسفر في طائرة. كما توجد نماذج على شكل نسور وحيوانات وهواتف وأحذية وزجاجات وكنائس وكتب مقدسة.
ويشرح المتحف الوطني للفن الإفريقي التابع لمؤسسة Smithsonian أن هذه الأشكال تحتفي بعمل الشخص وإنجازاته ومكانته داخل الأسرة والمجتمع. وهي ليست الخيار المعتاد لكل الغانيين؛ فمعظم الناس ما زالوا يُدفنون في توابيت مستطيلة تقليدية وأقل تكلفة.
من اخترع التوابيت المجسمة في غانا؟
الرواية أبعد من فكرة أن نجارا واحدا «اخترع» التقليد في لحظة محددة. فبحسب Smithsonian، توجد روايات شفوية تنسب واحدا من أقدم هذه التوابيت إلى نجار من شعب Ga يدعى Adjetey Kane سنة 1941، بينما تنسب روايات أخرى الابتكار المبكر إلى النجار Ataa Owuo الذي عمل خلال خمسينات القرن العشرين.
لكن الاسم الأكثر ارتباطا بانتشار هذه الصناعة هو Seth Kane Kwei، المعروف أيضا بصيغ كتابة مثل Kane Quaye أو Kane Kwei، المولود سنة 1922 والمتوفى سنة 1992. أنشأ ورشته في Teshie مطلع الخمسينات، وطور أشكالا متعددة، ودرب عددا من الحرفيين الذين نشروا هذا الأسلوب لاحقا.
لذلك فالأدق أن نقول إن Kane Kwei طوّر التقليد ونشره وجعله معروفا على نطاق واسع، لا أن نجزم بأنه أول شخص صنع تابوتا مجسما في تاريخ غانا.
قصة تابوت الطائرة: رواية شهيرة وليست الوحيدة
من أشهر القصص المتداولة عن بداية هذه التوابيت أن Kane Kwei صنع في أوائل الخمسينات تابوتا على شكل طائرة لجدته، التي كانت ترى الطائرات تمر فوق منطقة Teshie القريبة من أكرا ولم تسافر جوا في حياتها. وتورد مجموعة المتحف البريطاني رواية تقول إن Kane Kwei وشقيقه Ajetey صنعا سنة 1951 تابوتا على شكل طائرة لدفن جدتهما.
لكن ورشة Kane Kwei نفسها تروي اليوم قصة أوسع تبدأ بصناعة محفة احتفالية مجسمة على شكل ثمرة كاكاو لزعيم محلي، ثم استخدام الفكرة في الدفن بعد وفاة الزعيم، وبعدها صنع طائرة للجدة. ويعكس اختلاف هذه الروايات طبيعة التاريخ الشفوي للتقليد.
المهم تاريخيا أن ورشة Kane Kwei لعبت دورا مركزيا في تحويل الفكرة إلى مدرسة فنية وحرفة مستمرة، ثم بدأت طلبات تأتي لأشكال ترتبط بمهنة المتوفى أو حياته، مثل القارب للصياد أو المحصول للمزارع.
صلة التوابيت بمحفات الزعماء
لا تنظر الدراسات المتحفية إلى التوابيت المجسمة باعتبارها فكرة ظهرت من فراغ. فالمتحف البريطاني يربطها أيضا بتقليد أقدم لدى Ga يتمثل في المحفات الرمزية التي كان يُحمل عليها بعض الزعماء في المناسبات، ومنها محفات منحوتة في هيئة حيوانات أو رموز مرتبطة بالمكانة والسلطة.
بهذا المعنى، كانت التوابيت الحديثة امتداداً إبداعياً لفكرة استخدام الشكل والرمز للتعبير عن هوية الفرد ومكانته، ثم تطورت مع أدوات النجارة والطلاء الحديثة وصعود طبقات اجتماعية قادرة على تكليف الحرفيين بأعمال خاصة.
من هو Paa Joe؟
من أشهر الأسماء التي خرجت من مدرسة Kane Kwei الفنان الغاني Paa Joe، واسمه Joseph Ashong. تدرب على يد Kane Kwei وأصبح من أبرز تلاميذه، ثم أسس ورشته الخاصة وأصبحت أعماله موجودة في مجموعات متحفية وفنية حول العالم. وتوضح سجلات المتحف البريطاني وSmithsonian أنه كان تلميذا ومتدربا بارزا في ورشة Kane Kwei.
ومع الوقت خرج من هذا الخط الفني حرفيون آخرون وأنشئت ورش متعددة في منطقة Accra-Teshie-Nungua. وبعض الأعمال لم تعد تصنع للدفن فقط؛ بل تطلبها المتاحف وصالات العرض وهواة الجمع بوصفها منحوتات فنية مستقلة.
تابوت Porsche الذي بيع في لندن
في سنة 2014 ظهر أحد أشهر الأمثلة على انتقال هذه الصناعة من الجنازة إلى سوق الفن الدولي. فقد بيع في مزاد Bonhams في لندن تابوت على شكل سيارة Porsche من أعمال Paa Joe مقابل 6500 جنيه إسترليني.
وقد عادل السعر وقتها نحو 9200 دولار أميركي، وهو الرقم الذي انتشر في تقارير صحفية لاحقة. والعمل بيع رسميا بالعملة البريطانية في المزاد مقابل 6500 جنيه.
هذا السعر لا يصلح مرجعا لتحديد أسعار التوابيت اليوم؛ فالتكلفة تختلف بحسب الحجم والخشب والتفاصيل والحرفي وما إذا كان العمل مخصصا لدفن محلي أو لمجموعة فنية دولية.
هل «رقصة التابوت» هي نفس التقليد؟
لا. الفيديوهات التي اشتهرت عالميا في 2020 لرجال يرتدون ملابس متناسقة ويحملون تابوتا أثناء الرقص تعود إلى خدمات احترافية لحاملي النعوش في غانا، واشتهرت على الإنترنت باسم Coffin Dance أو «رقصة التابوت».
أما التوابيت المجسمة التي اشتهرت بها ورش Ga فهي تقليد فني مختلف يعود إلى منتصف القرن العشرين على الأقل. قد تجتمع الموسيقى والرقص والتوابيت المزخرفة في بعض الجنازات، لكن لا يصح استخدام «رقصة التابوت» دليلا على أن كل جنازات غانا تتبع الطقوس نفسها أو أن كل الغانيين يستخدمون هذه التوابيت.
غانا تضم جماعات إثنية وديانات وتقاليد جنائزية متعددة، ولذلك تختلف مراسم الدفن بدرجة كبيرة بين المناطق والعائلات والطوائف.
لماذا أصبحت هذه التوابيت فنا عالميا؟
السبب أن العمل يجمع بين وظيفتين: فهو نعش قابل للاستخدام فعليا، وفي الوقت نفسه منحوتة تحكي سيرة صاحبها بلغة بصرية مباشرة. هذا التداخل جذب المتاحف والمقتنين منذ عقود.
تضم مؤسسة Smithsonian والمتحف البريطاني اليوم أمثلة من هذه الأعمال في مجموعاتهما، من بينها تابوت على شكل فيل من Paa Joe، وتابوت على شكل هاتف Nokia للفنان Samuel Narh Nartey الذي تدرب بدوره على يد Paa Joe، إلى جانب نماذج أخرى في هيئة نسور وسيارات وأشكال مرتبطة بالمهن والرموز الاجتماعية.
وهكذا خرجت حرفة محلية مرتبطة بجنازات Ga من Teshie إلى فضاء الفن العالمي، من دون أن تفقد وظيفتها الأصلية لدى بعض العائلات في غانا.
الخلاصة
التوابيت الفنية في غانا ليست مجرد «غرابة» سياحية، ولا يوجد متجر واحد يمكن اختزال التقليد فيه. إنها مدرسة نجارة ونحت جنائزية تطورت أساسا لدى شعب Ga حول أكرا، واكتسبت شهرتها الحديثة بفضل Kane Kwei وورش تلاميذه ومن بينهم Paa Joe.
كما أن أصلها الدقيق محل روايات تاريخية متعددة، وهو ما يجعل صيغة «Kane Kwei أول من اخترع التوابيت العجيبة» أبسط من الواقع. الأصح أنه الشخصية التي لعبت الدور الأكبر في تطوير التقليد ونشره، بينما تُظهر المصادر المتحفية وجود حرفيين وروايات أقدم أو موازية.
والقيمة الحقيقية لهذه الأعمال تكمن في أنها تحول سيرة الإنسان إلى شكل: السيارة والمهنة والطائرة والسمكة والمحصول ليست زينة عشوائية، بل رموز لما عاشه صاحب التابوت أو لما مثله لأسرته ومجتمعه.

