تقارير

إحصائيات مُرعبة.. لماذا يتراجع التونسي عن الزواج؟

من 108 آلاف عقد زواج في 2015 إلى نحو 70 ألفا فقط في 2024، فيما تجاوز متوسط سن الزواج الأول 35 عاما لدى الرجال. تقرير بالأرقام يشرح كيف غيّرت البطالة وغلاء المعيشة والهجرة والطلاق وتحولات القيم علاقة التونسيين بالزواج.
خاتم زواج خلال حفل زفاف في تونس
صورة من حفل زفاف في تونس. المصدر: Vivaystn / Wikimedia Commons - CC BY-SA 4.0

لم يعد تأخر الزواج في تونس مجرد انطباع اجتماعي يتكرر في الأحاديث العائلية. الأرقام الرسمية ترسم تحولا واضحا: عدد عقود الزواج تراجع بنحو الثلث خلال أقل من عشر سنوات، ومتوسط سن الزواج الأول لدى الرجال تجاوز 35 عاما، بينما يظل جزء كبير من الرجال في الثلاثينات دون زواج. وفي الخلفية تتراكم ضغوط البطالة وغلاء المعيشة وكلفة السكن وتأسيس بيت، إلى جانب الهجرة وتحولات أعمق في نظرة الأجيال الجديدة إلى العلاقة الزوجية نفسها.

لكن الصورة أكثر تعقيدا من عبارة «التونسي لم يعد يريد الزواج». فالتعداد الأخير يكشف أن المجتمع يتقدم في السن، وأن عدد الشباب الداخلين أصلا إلى أعمار الزواج لم يعد بالحجم نفسه الذي كان عليه قبل عقود. كما أن تراجع الزواج لا يسير في خط مستقيم، ولا يمكن تفسيره بعامل اقتصادي واحد أو بتحول قيمي واحد. ما يحدث أقرب إلى إعادة تشكيل كاملة لشروط الزواج وتوقيته ومعناه الاجتماعي.

من 108 آلاف زواج إلى 70 ألفا: ماذا حدث خلال تسع سنوات؟

بحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، سجلت تونس 108,453 عقد زواج سنة 2015. وبعد تسع سنوات، هبط العدد إلى 70,011 عقدا سنة 2024. أي أن البلاد فقدت قرابة 38,442 زواجا سنويا مقارنة بمستوى 2015، بما يعادل تراجعا في حدود 35.4%.

السنةعدد عقود الزواج
2015108,453
201697,659
201892,800
201983,105
202065,630
202177,283
202278,547
202372,953
202470,011

عام 2020 كان استثنائيا بسبب جائحة كورونا والقيود التي رافقتها، لذلك لا يصح اتخاذه وحده دليلا على الاتجاه العام. الأهم أن الزيجات ارتفعت مجددا في 2021 و2022، لكنها لم تعد إلى مستويات ما قبل الجائحة، ثم انخفضت إلى 72,953 في 2023 وإلى 70,011 في 2024. وهذا يعني أن التراجع أعمق من أثر كورونا وأن الاتجاه سبق الجائحة واستمر بعدها.

الزواج لا يختفي فقط.. بل يتأخر

أحد أقوى المؤشرات على التحول هو سن الزواج الأول. تكشف نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن متوسط العمر عند الزواج الأول بلغ 35.3 سنة لدى الرجال و28.9 سنة لدى النساء. للمقارنة، كان هذا المتوسط سنة 2014 في حدود 33 سنة للرجال و28.6 سنة للنساء، بينما لم يكن يتجاوز 27.1 و20.9 سنة على التوالي سنة 1966.

أي أن الرجل التونسي أصبح يتزوج للمرة الأولى، في المتوسط، متأخرا بأكثر من ثماني سنوات مقارنة بجيل ستينيات القرن الماضي. أما الفارق بين الرجال والنساء في سن الزواج الأول فقد اتسع مجددا إلى 6.4 سنوات في 2024.

وتظهر بيانات التعداد صورة أكثر وضوحا داخل الفئات العمرية. ففي سن 30 إلى 34 عاما لا يزال 64.8% من الرجال غير متزوجين، مقابل 28% من النساء. وبين 35 و39 عاما تبقى نسبة غير المتزوجين مرتفعة لدى الرجال عند 34.9%، مقابل 15.4% لدى النساء.

هذه الأرقام لا تعني أن كل من لم يتزوج في هذه الأعمار سيرفض الزواج نهائيا، لكنها تؤكد أن ما كان يعد قبل عقود «زواجا متأخرا» أصبح اليوم جزءا واسعا من المسار العادي لحياة الشباب، وخاصة الرجال.

تراجع حاد في زواج الشباب الأصغر سنا

التحول يظهر كذلك في توزيع عقود الزواج حسب العمر. لدى الرجال بين 25 و29 عاما، انخفض عدد الزيجات من 24,893 في 2016 إلى 12,365 في 2024، أي تراجع بأكثر من النصف تقريبا. وفي الفئة 30-34 سنة انخفض العدد من 32,535 إلى 22,985 خلال الفترة نفسها.

ولدى النساء، تظهر آخر السلسلة المفصلة المنشورة حسب العمر أن عقود الزواج في فئة 20-24 سنة هبطت من 29,113 سنة 2015 إلى 13,345 سنة 2023، فيما انخفضت زيجات فئة 25-29 سنة من 36,893 إلى 25,228.

المغزى هنا أن التراجع ليس مجرد انخفاض في العدد الإجمالي للسكان المقبلين على الزواج، بل إن مركز الزواج نفسه يتحرك إلى أعمار أكبر.

عندما يتحول الزواج إلى مشروع مالي

يصعب فصل هذا التأخر عن واقع سوق العمل. ففي الثلاثي الثاني من 2026، بلغ معدل البطالة في تونس 14.9%، وفق أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء. لكن الرقم يقفز إلى 35.4% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وإلى 26.6% بين حاملي الشهادات العليا، مع نسبة تصل إلى 35.6% لدى خريجات التعليم العالي.

بالنسبة إلى شاب ينتظر وظيفة مستقرة، ثم دخلا يسمح باستئجار مسكن وتجهيزه، يصبح تأجيل الزواج نتيجة حسابات مادية قبل أن يكون موقفا مبدئيا من الزواج نفسه.

ويأتي ذلك في ظل استمرار ارتفاع الأسعار. ففي أوت 2026 بلغ التضخم 5.4%، بينما ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات بنحو 7.5% خلال عام واحد. وهذه الزيادات لا ترفع فقط كلفة حفل الزواج، بل تضغط بصورة مستمرة على ميزانية الأسرة بعد الزواج: الإيجار، الغذاء، النقل، الصحة، والأطفال.

كلفة البداية أصبحت حاجزا بحد ذاتها

في أفريل 2025، قدّم لطفي الرياحي، رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، تقديرات إعلامية لكلفة الزواج في تونس، معتبرا أن إجمالي المصاريف الأساسية قد يتجاوز 50 ألف دينار في بعض النماذج التي تشمل الذهب، وتجهيز المسكن، والأثاث والأجهزة المنزلية، وحفل الزواج.

هذه ليست «كلفة رسمية موحدة» للزواج، فهي تختلف جذريا بين عائلة وأخرى وبين المدن والجهات ومستوى الحفل، لكنها تكشف حجم الفجوة بين التوقعات الاجتماعية التقليدية والقدرة المالية الفعلية لجزء كبير من الشباب. ووفق التقديرات نفسها، قد تتراوح كلفة قاعة الحفل والخدمات المصاحبة بين عدة آلاف وقرابة 15 ألف دينار أو أكثر، فيما يمثل تجهيز البيت بندا ثقيلا آخر.

وهنا يصبح السؤال بالنسبة إلى كثيرين ليس: «هل أريد أن أتزوج؟» بل «هل أستطيع تحمل بداية الزواج من دون الدخول في سنوات من الديون؟».

ثلاثة شروط أصبحت تسبق الزواج

يربط علماء اجتماع تونسيون بين تأخر الزواج وبين ارتفاع سقف الشروط التي يعتبرها الشباب ضرورية قبل تأسيس أسرة. فقد تحدث عالم الاجتماع ممدوح عز الدين عن انتقال الزواج من كونه التزاما اجتماعيا شبه تلقائي إلى قرار فردي يخضع أكثر لحسابات الاستقرار والاختيار الشخصي، مع تراجع قدرة الطبقة الوسطى على تحمل النفقات التقليدية المرتبطة به.

أما الباحث في علم الاجتماع محمد علي بن زينة فيضع الظاهرة ضمن ثلاثة عوامل متداخلة: الديمغرافيا، والهجرة، والاقتصاد. فالأجيال الحالية في سن الزواج أقل عددا من بعض الأجيال السابقة، والهجرة تسحب جزءا من الشباب من السوق الديمغرافية المحلية، بينما يدفع عدم الاستقرار الاقتصادي بالكثيرين إلى انتظار وظيفة ومسكن ودخل أكثر أمانا قبل اتخاذ قرار الزواج.

ويذهب عالم الاجتماع طارق السعيدي أيضا إلى أن طول فترة الاندماج في سوق الشغل والحصول على مورد رزق مستقر يمثلان من أهم الأسباب المباشرة لتأجيل الزواج لدى الشباب.

الهجرة تغير هي الأخرى «سوق الزواج»

لا يمكن تجاهل أثر الهجرة. وتشير معطيات التعداد إلى أن أكثر من 150 ألف تونسي غادروا البلاد خلال خمس سنوات للاستقرار في الخارج. كما تقدر إسقاطات المعهد الوطني للإحصاء متوسط صافي الهجرة السنوي خلال 2019-2024 بنحو -24.2 ألف شخص.

ولأن الهجرة تشمل بدرجة كبيرة فئات شابة وفي سن النشاط، فإن أثرها لا يظهر فقط في سوق العمل أو عدد السكان، بل أيضا في فرص تكوين الأزواج داخل البلاد وفي حجم الأجيال التي ستؤسس عائلات في تونس.

هل الخوف من الطلاق يدفع أيضا إلى التردد؟

مقابل تراجع الزواج، ظلت أحكام الطلاق عند مستويات مرتفعة. وتظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن المحاكم الابتدائية أصدرت 16,012 حكم طلاق في السنة القضائية 2023، مقابل 12,598 في 2021 و14,982 في 2015. أما أعلى رقم في السلسلة الحديثة المنشورة فكان 17,306 أحكام سنة 2019.

ومن المهم هنا تجنب خطأ إحصائي شائع: لا يمكن قسمة عدد حالات الطلاق في سنة معينة على عدد عقود الزواج في السنة نفسها والقول إن الناتج هو «نسبة الزيجات التي تنتهي بالطلاق»، لأن حالات الطلاق المسجلة في سنة ما تخص زيجات عقدت في سنوات مختلفة.

لكن الحضور المتزايد لتجارب الطلاق في المحيط العائلي والاجتماعي يمكن أن يؤثر في تصورات الشباب للمخاطر المرتبطة بالزواج. فالزواج لم يعد في المخيال الاجتماعي ضمانة تلقائية للاستقرار مدى الحياة، بل علاقة يُنتظر منها قدر أكبر من التوافق النفسي والعاطفي وتقاسم الأدوار، وهو ما يرفع بدوره شروط الاختيار.

النساء أكثر استقلالية

هناك بعد آخر لا تفسره الأسعار والبطالة وحدهما. فخلال العقود الأخيرة توسع تعليم النساء وحضورهن في التعليم العالي والعمل، وتغيرت توقعاتهن من العلاقة الزوجية. وتشير بيانات التعداد إلى أن الفتيات يمثلن 57.4% من خريجي التعليم العالي.

هذا التحول غيّر موازين الاختيار داخل الأسرة. بالنسبة إلى أعداد متزايدة من النساء، لم يعد الزواج المسار الوحيد لضمان المكانة الاجتماعية أو الاستقلال الاقتصادي. وبالنسبة إلى الرجال أيضا، تراجعت القدرة على الالتزام بالنموذج التقليدي الذي يفترض أن يكون الرجل جاهزا بمفرده لتوفير المسكن والإنفاق الكامل على الأسرة منذ البداية.

النتيجة هي فجوة بين نموذج اجتماعي قديم ما زال حاضرا في تكاليف الزواج وتوقعات العائلات، وواقع اقتصادي واجتماعي جديد يقوم أكثر على شريكين يحتاجان وقتا أطول للتعليم والعمل وبناء الاستقلال المالي.

هل التونسيون «عزفوا» فعلا عن الزواج؟

رغم التراجع الكبير في عدد عقود الزواج، من المهم عدم اختزال الصورة في عبارة «ارتفاع العزوبة لدى كل التونسيين». فبحسب تعداد 2024، يمثل غير المتزوجين 34% من السكان البالغين 15 سنة فأكثر: 38.8% لدى الرجال و29.6% لدى النساء. والمفارقة أن هذه النسبة الإجمالية تراجعت مقارنة ببعض التعدادات السابقة.

يفسر المعهد الوطني للإحصاء ذلك جزئيا بتغير التركيبة العمرية: المجتمع التونسي أصبح أكبر سنا، وحصة الشباب من السكان تراجعت، وبالتالي فإن الوزن النسبي للفئات التي تكون فيها العزوبة مرتفعة جدا أصبح أصغر. لهذا فإن المؤشر الأدق لفهم الظاهرة ليس النسبة الإجمالية للعزاب وحدها، بل الجمع بين عدد الزيجات السنوي، وسن الزواج الأول، ونسب غير المتزوجين داخل كل فئة عمرية.

تونس أمام تحول أكبر

تراجع الزواج يتزامن مع انخفاض حاد في الولادات والخصوبة. فقد انخفض عدد المواليد من 219,441 مولودا في 2016 إلى 126,401 في 2024، أي بنحو 42%. وهبط مؤشر الخصوبة من 2.4 طفل لكل امرأة في 2016 إلى نحو 1.5 في 2024، وهو مستوى أدنى بوضوح من عتبة الإحلال السكاني.

ولا يمكن القول إن تراجع الزواج وحده هو سبب انخفاض الخصوبة، فهناك عوامل عديدة أخرى تتعلق بتأخر الإنجاب، وعدد الأطفال المرغوب فيه، وكلفة التربية، وتغير أنماط الحياة. لكن الظاهرتين تسيران في الاتجاه نفسه وتدفعان تونس نحو شيخوخة أسرع للسكان.

ويظهر تعداد 2024 أن نسبة السكان في سن 60 سنة فما فوق وصلت إلى 16.9%، فيما بلغ مؤشر الشيخوخة 73.9%. وتقول إسقاطات المعهد إن تونس أنهت واحدة من أسرع التحولات الديمغرافية في المنطقة المتوسطية خلال العقود الأخيرة.

التونسي لم يرفض الزواج

الأرقام لا تقدم دليلا على أن التونسيين تخلوا جماعيا عن فكرة الزواج. ما تكشفه بوضوح هو أن الزواج أصبح أقل عددا، وأكثر تأخرا، وأعلى كلفة، وأشد ارتباطا بالاستقرار المهني والسكني. وفي الوقت نفسه تغيرت القيم: أصبح الاختيار الفردي أقوى، وتراجعت سلطة الضغط الاجتماعي، وارتفعت توقعات الرجال والنساء من العلاقة الزوجية نفسها.

لهذا قد يكون السؤال الأدق ليس «لماذا تراجع التونسي عن الزواج؟»، بل: كيف أصبح الزواج، الذي كان محطة شبه تلقائية في حياة الشاب قبل عقود، مشروعا يحتاج اليوم إلى سنوات من الانتظار والحساب والمخاطرة؟

فالاقتصاد يفسر جزءا كبيرا من الأزمة، لكنه لا يفسرها وحده. والهجرة تقلص قاعدة الشباب، والطلاق يغير صورة الاستقرار، والتعليم والعمل يعيدان صياغة أدوار الرجال والنساء، فيما يدفع التحول الديمغرافي المجتمع كله إلى مرحلة جديدة. والنتيجة أن الزواج في تونس لم يعد يختفي بقدر ما يعاد تعريفه.

المصادر والبيانات

اخترنا لكم