تقارير

مجاعة جبل لبنان 1915–1918: كيف حوّلت الحرب والحصار والجراد مجتمعاً كاملاً إلى حافة الموت؟

بين 1915 و1918 عاش جبل لبنان واحدة من أشد المجاعات في تاريخ المشرق الحديث. لم تكن الكارثة نتيجة سبب واحد، بل حصيلة حصار بحري، قيود عثمانية، مصادرات، جراد، تضخم واحتكار أنهكت مجتمعاً يعتمد أصلاً على استيراد غذائه.
ضحايا من مجاعة جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى بين 1915 و1918
ضحايا مجاعة جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى. تصوير: إبراهيم نعوم كنعان. المصدر: Wikimedia Commons، ضمن الملكية العامة.

بين عامي 1915 و1918 عاش جبل لبنان واحدة من أشد الكوارث الغذائية في تاريخ المشرق الحديث. في الذاكرة الشعبية، كثيراً ما تُختصر القصة في «حصار عثماني» أو في «حصار بحري بريطاني-فرنسي»، لكن الدراسات الحديثة ترسم صورة أكثر تعقيداً: المجاعة نتجت عن تراكب مجموعة من الصدمات في الوقت نفسه، من الحصار البحري الذي فرضته دول الوفاق على الساحل الشرقي للمتوسط، إلى القيود العثمانية على حركة الغذاء، ومصادرات الجيش، ونقص اليد العاملة الزراعية، واجتياح الجراد سنة 1915، والتضخم، والاحتكار، والمضاربة.

جبل يعتمد على الخارج قبل الحرب

قبل الحرب العالمية الأولى كان جبل لبنان كثيف السكان ومحدود المساحات الصالحة للزراعة مقارنة بحاجات سكانه. كان اقتصاده يعتمد بدرجة كبيرة على إنتاج الحرير وتصديره إلى الأسواق الأوروبية، ثم استخدام العائدات في شراء الحبوب والمواد الغذائية من المناطق المجاورة. هذا النموذج كان يعمل في زمن السلم، لكنه جعل الجبل شديد الهشاشة عند انقطاع التجارة.

تشير الدراسات إلى أن جبل لبنان كان ينتج نسبة صغيرة فقط من حاجته من الحبوب، ولذلك فإن توقف الواردات لم يكن مجرد مشكلة تجارية عادية، بل ضربة مباشرة للقدرة على البقاء. ومع دخول الدولة العثمانية الحرب أواخر 1914، أُغلقت طرق البحر أمام التجارة، وتعطلت التحويلات المالية من المهاجرين، وتراجعت صادرات الحرير التي كانت تمول شراء الغذاء.

حصاران من جهتين

من جهة البحر، فرضت بريطانيا وفرنسا حصاراً على شرق المتوسط بهدف منع وصول المؤن إلى القوات العثمانية. هذا الحصار شمل الغذاء والدواء وقيّد الحركة البحرية بدرجة كبيرة. ومن جهة الداخل، فرضت السلطات العثمانية قيوداً على انتقال الحبوب نحو جبل لبنان، مع تشديد الرقابة على التهريب وتوجيه جزء من المخزون لاحتياجات الجيش.

هذا الوضع خلق ما يشبه «فخاً غذائياً»: منطقة تعتمد على الخارج، لكنها فقدت الوصول إلى البحر، وفي الوقت نفسه أصبحت حركة الغذاء من الداخل أكثر صعوبة وكلفة. ارتفعت الأسعار بسرعة، وبدأ الناس يبيعون ممتلكاتهم ويستدينون لشراء الطعام.

1915: سنة الجراد

في ربيع وصيف 1915 اجتاح الجراد أجزاء واسعة من بلاد الشام وفلسطين. لم يكن الأمر حادثاً هامشياً؛ فقد أتت الأسراب على الخضروات والأشجار والأعلاف والبقوليات وجزء من الحبوب. وفي اقتصاد يعاني أصلاً من نقص الإمدادات، كان فقدان المحاصيل المحلية ضربة قاسية.

وثقت الجامعة الأميركية في بيروت وشهادات معاصرة كيف اجتمعت سنة الجراد مع الجفاف والمرض والحصار. وتبين الدراسات الحديثة أن الجراد لم يكن السبب الوحيد للمجاعة، لكنه ضاعف آثار النقص في وقت كانت شبكات التجارة والإغاثة أصلاً تحت ضغط الحرب.

الجيش والمصادرات والتجنيد

أدت الحرب إلى سحب أعداد كبيرة من الرجال في سن العمل من القرى عبر التجنيد والخدمة الإلزامية وأعمال السخرة. كما صادرت السلطات دواب النقل والحبوب والمواد الغذائية لتلبية احتياجات الجيش. أدى ذلك إلى تراجع القدرة على الزراعة والحصاد ونقل الطعام من منطقة إلى أخرى.

وتشير مصادر تاريخية إلى قرارات إدارية زادت الأزمة سوءاً، منها التحكم الصارم في الحصاد وإجبار الفلاحين على انتظار وكلاء حكوميين قبل درس القمح، ما أدى في بعض الحالات إلى تلف جزء من المحصول بسبب الأمطار والتأخير.

التضخم والاحتكار: عندما يصبح الطعام موجوداً لكنه غير قابل للشراء

المجاعة ليست دائماً غياب الطعام تماماً؛ أحياناً يكون الغذاء موجوداً في مكان ما، لكنه بعيد عن الناس أو فوق قدرتهم الشرائية. هذا ما حدث في أجزاء من لبنان وسوريا خلال الحرب. فقد تراجعت قيمة العملة الورقية وارتفعت الأسعار بمعدلات هائلة، بينما اتهم تجار كبار ومضاربون باحتكار الحبوب وتخزينها انتظاراً لارتفاع الأسعار.

بحسب الدراسات، كان بعض السكان يبيعون أثاثهم ومجوهراتهم وحتى أراضيهم مقابل كميات صغيرة من الدقيق. ومع انهيار الدخول وارتفاع الأسعار، تحولت أزمة العرض إلى أزمة وصول: الطعام موجود في السوق، لكن الفقراء لا يستطيعون شراءه.

كم شخصاً مات؟

لا يوجد رقم نهائي متفق عليه لضحايا مجاعة جبل لبنان، لأن الحدود الإدارية والسجلات السكانية والوفيات المرتبطة بالأمراض تختلف بين الدراسات. إلا أن تقديرات كثيرة تشير إلى أن جبل لبنان فقد نحو 20% إلى 30% من سكانه خلال سنوات الحرب، بينما تذكر دراسات أوسع أن مجاعة بلاد الشام الكبرى ربما أودت بحياة مئات الآلاف.

كان كثير من الضحايا يموتون من الجوع مباشرة، لكن عدداً كبيراً مات أيضاً بسبب الأمراض التي انتشرت في أجساد أضعفها سوء التغذية، مثل التيفوس والملاريا وأمراض الجهاز الهضمي.

هل كانت المجاعة «مقصودة»؟

هذا من أكثر الأسئلة حساسية. بعض الروايات القديمة قدمت الكارثة بوصفها خطة عثمانية متعمدة لإبادة سكان جبل لبنان، بينما تُظهر الدراسات الحديثة أن الصورة أعقد من ذلك. كانت هناك سياسات قاسية، وحصار داخلي، ومصادرات، وقمع، لكن المجاعة ضربت أيضاً مناطق أخرى من بلاد الشام، بما فيها مدن داخلية مثل دمشق.

لذلك يفضل المؤرخون اليوم الحديث عن كارثة صنعتها الحرب والسياسات والاقتصاد والبيئة معاً، بدلاً من اختزالها في تفسير أحادي. وهذا لا يعفي أي طرف من المسؤولية؛ بل يوضح أن الحصار البحري للحلفاء، والسياسات العثمانية، والاحتكار، وسوء الإدارة، والكوارث البيئية كلها تفاعلت لتصنع النتيجة.

ما الذي تكشفه هذه المجاعة عن الأمن الغذائي؟

تجربة جبل لبنان تشرح درساً لا يزال حديثاً جداً: الاعتماد الشديد على سلعة تصديرية واحدة وعلى استيراد الغذاء يجعل المجتمع هشاً أمام الحرب أو إغلاق الموانئ أو انهيار العملة. كما تكشف أن الغذاء ليس مجرد محصول زراعي؛ بل شبكة من النقل، والتمويل، والأسواق، والسياسات، والقدرة الشرائية.

لهذا بقيت مجاعة 1915–1918 جرحاً عميقاً في الذاكرة اللبنانية. لم تكن فقط مأساة جوع، بل لحظة انهيار لنظام اقتصادي واجتماعي كامل تحت ضغط حرب عالمية.

المصادر

اخترنا لكم