قبل أن يرتبط اسم قفصة بالفوسفات والمناجم، اشتهرت هذه الواحة التونسية بمنتج مختلف تماما: الفستق.
وتكشف المصادر الجغرافية العربية أن شهرة فستق قفصة ليست رواية متأخرة. فأقدم نص صريح باق أمكن توثيقه هنا يعود إلى أبي عبيد البكري في القرن الحادي عشر الميلادي. ويذكر البكري أن فستق قفصة كان ينتشر في إفريقية، ويحمل إلى مصر والأندلس وسجلماسة.
هذا التحقيق يعود إلى النصوص الأصلية والطبعات المحققة قدر الإمكان. ويفصل بين ما قاله كل مؤلف فعلا، وما نقله عن غيره، وما لا تسمح الأدلة الحالية بإثباته. كما يربط هذه الشهادة التاريخية بأحدث أرقام إنتاج الفستق في قفصة سنة 2026.
البكري: أقدم نص صريح باق أمكن توثيقه
أقدم نص صريح باق أمكن توثيقه هنا أورده الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري. توفي البكري سنة 487هـ/1094م، وورد النص في كتابه المسالك والممالك.
وعند وصف قفصة وعيونها وبساتينها، كتب:
«وقفصة أكثر بلاد القيروان فستقا، ومنها ينتشر بإفريقية ويحمل إلى مصر والأندلس وسجلماسة.»
— أبو عبيد البكري، المسالك والممالك.
تكمن أهمية النص في نقطتين. أولا، يثبت شهرة قفصة بكثرة الفستق في مادة البكري الجغرافية. وثانيا، يذكر حركة تجارية تتجاوز السوق المحلية.
ويحدد البكري ثلاث وجهات بعيدة: مصر والأندلس وسجلماسة. وكانت هذه المراكز جزءا مهما من شبكات التجارة في العالم الإسلامي الوسيط.
ويضيف البكري أن طراق، وهي من قصور قفصة، كانت «كثيرة الفستق». كما يصف عيون قفصة وبساتينها ومزروعاتها. وتكشف هذه التفاصيل صورة واحة زراعية نشطة.
لكن يلزم هنا احتياط منهجي. البكري لم يكن رحالة زار قفصة ووصفها من معاينة مباشرة. عاش في الأندلس واعتمد على مواد جغرافية مكتوبة وروايات أقدم.
لذلك الأدق هو القول إن نصه أقدم نص صريح باق أمكن توثيقه. ولا يصح اعتباره أول شخص عرف فستق قفصة أو أول من شاهده.
«الاستبصار»: الوصف الأكثر تفصيلا
بعد البكري بنحو قرن، يقدم الاستبصار في عجائب الأمصار وصفا أكثر تفصيلا لقفصة. مؤلف الكتاب مغربي مجهول من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي.
يذكر النص النخيل والزيتون وأنواعا من الفاكهة. ثم يتوقف عند الفستق بعبارة لافتة:
«وقفصة أكثر البلاد فستقا حتى إنني أظن أنه ليس بإفريقية فستق إلا فيها؛ ومنها يجلب إلى إفريقية وبلاد المغرب، وبلاد الأندلس وبلاد مصر.»
— الاستبصار في عجائب الأمصار.
عبارة «حتى إنني أظن» أساسية لفهم النص. فهي تدل على انطباع المؤلف، لا على إحصاء زراعي شامل.
ولهذا لا يجوز القول إن الفستق لم يكن موجودا في أي مكان آخر من إفريقية. الأدق أن شهرة قفصة كانت شديدة إلى هذا الحد في وصف المؤلف.
ثم يقدم الاستبصار مقارنة نادرة بين الفستق القفصي وما كان يجلب من بلاد الشام:
«فإن الذي يجلب من بلاد الشام صغير الجرم ليس مثل القفصي، فإن القفصي يكاد يكون في جرم اللوز، وهو إذا كان في شجرته أجمل شيء، فإنه يكون عناقيد مثل عناقيد العنب، وهو ذكي الرائحة…»
— الاستبصار في عجائب الأمصار.
هذا المقطع مهم لأنه يصف الحجم والهيئة والرائحة. كما يذكر العناقيد على الشجرة. وهي تفاصيل تتجاوز مجرد القول بوجود الفستق.
لكن النص لا يثبت أن فستق قفصة كان «الأفضل في العالم». المؤلف يقارن الحجم وبعض الصفات فقط.
هل «الاستبصار» شاهد مستقل عن البكري؟
ليس بالكامل. فدراسة مصادر الكتاب تبين أن مؤلف الاستبصار استفاد من مادة البكري في وصف المغرب.
لذلك لا يجوز عد الخبرين شهادتين مستقلتين لشخصين زارا قفصة. مع ذلك، يضيف الاستبصار تفاصيل لا تظهر بهذه الصيغة عند البكري.
أبرز هذه الإضافات مقارنة الفستق القفصي بفستق الشام. كما يصف العناقيد والرائحة وحجم الثمرة.
وهنا تظهر قاعدة مهمة في قراءة الجغرافيا الوسيطة. قوة الخبر لا تقاس بعدد الكتب التي كررته فقط. بل تقاس بقدم النص وطبيعة مصادره وما يضيفه كل مؤلف.
ياقوت الحموي: نعم، ذكر فستق قفصة صراحة
في القرن الثالث عشر، يظهر فستق قفصة بوضوح في معجم البلدان لياقوت الحموي.
وعند وصف المدينة وبساتينها يقول:
«وهي أكثر بلاد إفريقية فستقا، ومنها يحمل إلى جميع نواحي إفريقية والأندلس وسجلماسة.»
— ياقوت الحموي، معجم البلدان، مادة «قفصة».
الإجابة إذن واضحة: نعم، ياقوت الحموي ذكر فستق قفصة صراحة.
لكن ياقوت ليس أقدم مصدر باق للخبر. يسبقه البكري بنحو قرن ونصف.
وهناك فرق آخر مهم. ياقوت يذكر إفريقية والأندلس وسجلماسة. لكنه لا يذكر مصر في هذه الجملة.
مصر تظهر عند البكري وعند صاحب الاستبصار. لذلك لا ينبغي دمج نصوص المؤلفين ونسبتها إلى ياقوت.
ماذا تعني «إفريقية» في هذه النصوص؟
لا تعني «إفريقيا» القارة بالمفهوم الحديث. إفريقية اسم إقليم تاريخي في المصادر العربية الوسيطة.
كانت تونس الحالية في قلب هذا الإقليم. وتفاوتت امتداداته بحسب الفترات السياسية والجغرافية.
لهذا لا يصح تحويل قول ياقوت «أكثر بلاد إفريقية فستقا» إلى «أكبر منتج للفستق في إفريقيا». ذلك معنى لم يقله النص.
وبالمثل، كانت «بلاد المغرب» أوسع من دولة المغرب الحالية. أما سجلماسة فكانت مركزا تجاريا مهما ومتصلًا بالطرق العابرة للصحراء.
ماذا يعني وصول الفستق إلى مصر والأندلس وسجلماسة؟
يستخدم البكري عبارة «يحمل إلى». ويستخدم الاستبصار عبارة «يجلب إلى». وكلتاهما تدلان على انتقال المنتج تجاريا لمسافات بعيدة.
يمكن وصف ذلك اليوم بأنه تجارة أو تصدير. لكن المصادر نفسها لا تستخدم مفهوم «التصدير» بمؤسساته وإحصاءاته الحديثة.
المسارات المذكورة لافتة. فهناك اتجاه شرقي نحو مصر، واتجاه غربي نحو سجلماسة، ووصول إلى الأندلس.
ولا تخبرنا هذه النصوص بحجم الكميات أو قيمتها السنوية. لكنها تثبت أن فستق قفصة تجاوز السوق المحلية.
هل كان فستق قفصة موجودا منذ العهد القرطاجني؟
تكرر بعض الأدبيات الزراعية الحديثة رواية تربط الفستق في تونس بالعهد القرطاجني أو بما قبله.
لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بتحويل هذه الرواية إلى حقيقة مؤكدة بالنسبة إلى قفصة.
السبب أن جنس Pistacia يضم عدة أنواع. وبعض هذه الأنواع موجود طبيعيا في شمال إفريقيا. أما الفستق المأكول فهو Pistacia vera.
لذلك لا تكفي إشارة أثرية إلى جنس Pistacia وحده. يجب أن تثبت أنها تخص الفستق المأكول تحديدا.
وتضع قواعد البيانات النباتية الحديثة الموطن الطبيعي لـPistacia vera أساسا في آسيا الغربية والوسطى. كما تعرض الدراسات الحديثة تاريخ انتشاره بصورة أكثر تعقيدا.
لهذا تبقى نقطة البداية التاريخية الأكثر أمانا هي القرن الحادي عشر الميلادي على الأقل. ففيه لدينا نص صريح باق للبكري.
أما إرجاع زراعته في قفصة إلى العصر القرطاجني، فيحتاج إلى دليل أثري نباتي مباشر.
هل تعني كلمة «فستق» القديمة حتما Pistacia vera؟
يجب الحذر عند إسقاط التصنيف النباتي الحديث على أسماء النباتات في النصوص الوسيطة.
مع ذلك، القرائن في حالة قفصة قوية جدا. المنتج كان يحمل إلى أسواق بعيدة. كما يقارنه الاستبصار مباشرة بفستق الشام.
ويصف النص حجم الثمرة وعناقيدها ورائحتها. لذلك يبقى تفسيرها بالفستق المأكول هو الأقوى.
أبو الفداء ينقل عن ابن سعيد
استمرت شهرة قفصة بالفستق في الجغرافيا اللاحقة.
ففي تقويم البلدان ينقل أبو الفداء عن ابن سعيد وصفا لقفصة. ويذكر ضمنه النخل والفستق. كما ينقل عبارة تفيد شدة اختصاصها به في بلاد المغرب.
لكن الصياغة الدقيقة هي: «ينقل أبو الفداء عن ابن سعيد». ولا نقول إننا رجعنا مباشرة إلى نسخة أصلية لابن سعيد في هذا الموضع.
الحميري يعيد الوصف.. لكنه ليس شاهدا مستقلا
يكرر الروض المعطار في خبر الأقطار للحميري كثيرا من وصف الاستبصار. ويشمل ذلك شهرة الفستق القفصي ومقارنته بالشامي.
لكن تحقيق الكتاب ينبه إلى استمرار النقل عن الاستبصار. لذلك لا يعد الحميري شاهدا مستقلا جديدا.
قيمته هنا مختلفة. فهو يثبت استمرار تداول هذا الوصف في التقليد الجغرافي العربي.
فستق قفصة اليوم: 4900 طن متوقعة في 2026
المثير أن الصلة بين قفصة والفستق لم تختف. ففي 3 جويلية 2026، قدّرت مصالح دائرة الإنتاج النباتي بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بقفصة صابة الفستق للموسم الحالي بنحو 4900 طن. وكانت الصابة قد بلغت نحو 4300 طن في 2025.
وبحسب تصريح رئيس الدائرة قيس شلبي لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، تمتد غراسات الفستق في الولاية على مساحة جملية تقدر بـ20 ألفا و102 هكتارات. وتضم نحو 2.87 مليون أصل فستق.
وتتوزع المساحة إلى 12 ألفا و250 هكتارا مطرية و7852 هكتارا مروية. كما أفاد المصدر نفسه بأن قفصة تحتل المرتبة الأولى وطنيا من حيث معدل إنتاج الفستق، تليها القصرين.
هذه الأرقام الحديثة لا تثبت بقاء الأصناف نفسها أو نظم الزراعة نفسها بلا انقطاع منذ القرن الحادي عشر. لكنها تؤكد أن قفصة ما تزال في 2026 مركز الثقل الأساسي لهذا المحصول في تونس.
الخلاصة: ماذا نستطيع أن نقول بثقة؟
كان فستق قفصة معروفا في المادة الجغرافية العربية منذ القرن الحادي عشر على الأقل.
ويذكر البكري صراحة انتقاله إلى مصر والأندلس وسجلماسة. ثم يقدم الاستبصار وصفا تفصيليا للفستق القفصي ويقارنه بفستق الشام.
وفي القرن الثالث عشر، يؤكد ياقوت استمرار شهرة قفصة بالفستق. كما يذكر انتقاله إلى إفريقية والأندلس وسجلماسة.
الخلاصة الأوثق: لدينا سلسلة نصية تبدأ، في أقدم نص صريح باق أمكن توثيقه، بالبكري في القرن الحادي عشر. وتضع هذه السلسلة فستق قفصة داخل شبكة تجارة وصلت إلى مصر والأندلس وسجلماسة.
أما القول إن الفستق كان في قفصة منذ العصر القرطاجني، فلا تدعمه الأدلة الحالية بشكل كاف.
ولا يصح أيضا القول إن قفصة كانت المنتج الوحيد في كامل إفريقيا. كما لا يجوز اعتبار كل المؤلفين شهودا مستقلين على الواقعة نفسها.
المصادر والمراجع
- أبو عبيد البكري، المسالك والممالك، النص الخاص بقفصة: الاطلاع على النص.
- الاستبصار في عجائب الأمصار، باب قفصة: الاطلاع على النص.
- ياقوت الحموي، معجم البلدان، مادة قفصة: الاطلاع على النص.
- الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، مادة قفصة: الاطلاع على النص.
- Royal Botanic Gardens, Kew، قاعدة Plants of the World Online، Pistacia vera: المرجع النباتي.
- مراجعة علمية حول تاريخ تدجين وانتشار الفستق، Agronomy، 2022: الاطلاع على الدراسة.
- وكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات)، «قفصة: تقديرات بإنتاج 4900 طن من الفستق خلال الموسم الفلاحي الحالي»، 3 جويلية 2026: الاطلاع على المصدر.
- RTCI / الإذاعة التونسية، «À Gafsa, la récolte de pistaches démarre en force»، 28 جويلية 2025: المصدر والصورة.
ملاحظة تحريرية: نُقلت الاقتباسات من النصوص القديمة كما وردت في النسخ الرقمية المتاحة. واقتصر التعديل على علامات الترقيم عند الحاجة لتسهيل القراءة.

