تقارير

تعرّف على قصّة حياة محمد علي كلاي من البداية إلى النهاية

سيرة محمد علي من طفولته في لويفيل وذهبية أولمبياد روما إلى ألقابه الثلاثة في الوزن الثقيل، رفضه حرب فيتنام، نزالات فرايزر وفورمان، ثم نشاطه الإنساني ومعايشته لباركنسون.
محمد علي كلاي أسطورة الملاكمة العالمية
محمد علي كلاي، بطل العالم السابق في الوزن الثقيل

شمس الدين النقاز — لم يكن محمد علي مجرد بطل ملاكمة. فقد تحولت مسيرته من قصة رياضي شاب فاز بذهبية أولمبية إلى واحدة من أشهر السير الرياضية والسياسية في القرن العشرين، بسبب مواقفه من العنصرية وحرب فيتنام، ثم عودته إلى الحلبة بعد سنوات من الإبعاد واستعادته بطولة العالم.

رفض علي في 28 أفريل 1967 الالتحاق بالخدمة العسكرية عندما استُدعي إلى مركز التجنيد في هيوستن، متمسكا باعتراضه الضميري على حرب فيتنام وموقفه الديني منها. أُدين لاحقا بتهمة رفض التجنيد، وجُرّد من لقب الوزن الثقيل وسُحبت منه تراخيص الملاكمة في عدة ولايات، قبل أن تلغي المحكمة العليا الأمريكية إدانته بالإجماع في 28 جوان 1971.

من كاسيوس كلاي إلى محمد علي

ولد كاسيوس مارسيليوس كلاي جونيور في 17 جانفي 1942 في لويفيل بولاية كنتاكي. وتروي سيرته المعتمدة أن سرقة دراجته وهو في الثانية عشرة قادته إلى التعرف على الشرطي ومدرب الملاكمة جو مارتن، ومن هناك بدأ تدريبه المنتظم.

بعد مسيرة ناجحة في الهواة، فاز بالميدالية الذهبية في وزن خفيف الثقيل في أولمبياد روما سنة 1960، ثم انتقل إلى الاحتراف وبدأ في بناء سجل من الانتصارات وضعه في مواجهة بطل العالم سوني ليستون.

المفاجأة أمام سوني ليستون

في 25 فيفري 1964 دخل كلاي نزاله الأول على لقب الوزن الثقيل أمام سوني ليستون وهو مرشح ضعيف في نظر معظم المراقبين. خلال الجولتين الرابعة والخامسة عانى كلاي من تهيج حاد في عينيه، وقال لاحقا إن مادة ما وصلت إليهما من قفازي ليستون، لكن سبب التهيج لم يُحسم بصورة قاطعة.

واصل كلاي النزال، وبعد نهاية الجولة السادسة لم يخرج ليستون من زاويته لبدء الجولة السابعة بسبب إصابة في كتفه، فسُجل الفوز لكلاي بالضربة الفنية القاضية بعد ست جولات. وفي اليوم التالي أعلن علنا انتماءه إلى الإسلام، ثم حمل لفترة قصيرة اسم كاسيوس إكس قبل أن يمنحه إليجا محمد في مارس 1964 اسم محمد علي.

بعد ذلك بعام فاز علي على ليستون مجددا في النزال الشهير الذي انتهى في الجولة الأولى، وظل اسمه منذ ذلك الوقت مرتبطا بمرحلة جديدة في تاريخ الملاكمة.

رفض حرب فيتنام والمنع من الملاكمة

بلغ الصدام بين علي والمؤسسات الأمريكية ذروته سنة 1967 عندما رفض الانضمام إلى الجيش. وقد قال بوضوح إن موقفه نابع من ضميره ومعتقده الديني ورفضه المشاركة في قتل شعب لم يعتد عليه. كان القرار مكلفا رياضيا؛ إذ حُرم من أفضل سنوات مسيرته تقريبا بين 1967 و1970.

عاد إلى الملاكمة في أكتوبر 1970، وفي جوان 1971 ألغت المحكمة العليا الأمريكية إدانته. وبينما كان خارج الحلبة، تحول علي أيضا إلى صوت بارز في النقاش الأمريكي حول الحرب والحقوق المدنية والعنصرية.

فرايزر: من «نزال القرن» إلى مانيلا

في 8 مارس 1971 خاض علي أمام جو فرايزر ما سمي «نزال القرن» في ماديسون سكوير غاردن. دخل الملاكان النزال من دون هزيمة، لكن فرايزر فاز بقرار الحكام بالإجماع بعد 15 جولة، وكانت تلك أول هزيمة احترافية لعلي.

التقيا للمرة الثانية في 28 جانفي 1974، ولم يكن لقب العالم حينها بحوزة فرايزر. انتهى النزال بعد 12 جولة بفوز علي بقرار الحكام بالإجماع.

أما المواجهة الثالثة والأشهر بينهما فجاءت في 1 أكتوبر 1975 في الفلبين تحت اسم «Thrilla in Manila». كان النزال شديد القسوة، وبعد نهاية الجولة الرابعة عشرة قرر ركن فرايزر إيقافه، فأُعلن فوز علي بالضربة الفنية القاضية. لم تكن هناك جولة خامسة عشرة.

«المواجهة في الغابة» واستعادة اللقب

بين نزالي فرايزر الثاني والثالث جاءت واحدة من أشهر ليالي الملاكمة في التاريخ. ففي 30 أكتوبر 1974 واجه محمد علي جورج فورمان في كينشاسا، عاصمة زائير آنذاك، في نزال «Rumble in the Jungle».

كان فورمان بطلا للعالم ولم يخسر أي نزال قبل تلك الليلة، بينما رأى كثيرون أن علي تجاوز ذروة مستواه. لكن علي استخدم خطة اشتهرت لاحقا باسم «rope-a-dope»، فسمح لفورمان باستهلاك جزء كبير من طاقته وهو يهاجمه قرب الحبال، قبل أن يرفع إيقاعه ويُنهي النزال بالضربة القاضية في الجولة الثامنة.

بلغ الحضور في ملعب 20 ماي نحو 60 ألف متفرج، وكان الحكم داخل الحلبة الأمريكي زاك كلايتون. أما التونسي نور الدين عدالة فكان أحد القاضيين اللذين سجلا النقاط، إلى جانب الأمريكي جيمس تايلور. وهذه نقطة مهمة لأن روايات عربية كثيرة قدّمت عدالة خطأ بوصفه حكم الحلبة.

بهذا الانتصار استعاد علي بطولة العالم للوزن الثقيل. وفي 1978 خسر اللقب أمام ليون سبينكس، لكنه استرده في النزال الثاني بينهما بعد سبعة أشهر، يوم 15 سبتمبر 1978، ليصبح أول ملاكم في التاريخ يفوز ببطولة العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات. وقد تجاوز إيفاندر هوليفيلد هذا الإنجاز لاحقا عندما أصبح بطلا للعالم أربع مرات، لذلك لا يصح اعتبار رقم علي رقما لم يُكسر.

مسيرته الدينية والإنسانية

مر تطور علي الديني بمراحل متعددة. بعد انضمامه إلى أمة الإسلام في الستينات، اتبع في 1975 الاتجاه الذي قاده وارث الدين محمد نحو الإسلام السني. وفي سنواته اللاحقة ازداد اهتمامه بالتصوف وبالدراسة الروحية.

كما واصل نشاطه خارج الرياضة. في مارس 1974 زار مخيما للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان وأعلن دعمه للفلسطينيين. وفي نوفمبر 1990 سافر إلى بغداد والتقى صدام حسين في محاولة للإفراج عن مواطنين أمريكيين كانوا محتجزين بعد غزو الكويت، وعاد إلى الولايات المتحدة برفقة 15 رهينة أُطلق سراحهم.

وشملت تحركاته الإنسانية لاحقا زيارات ومهمات إلى السودان وكوريا الشمالية وكوبا وأفغانستان، إلى جانب نشاط طويل في قضايا السلام والتسامح الديني. وفي ديسمبر 2015 أصدر بيانا عاما بعد اعتداءات نُفذت باسم الإسلام، أدان فيه الجماعات المتطرفة ودعا المسلمين إلى الوقوف ضد من يستخدمون الدين لخدمة أجنداتهم. وكان ذلك بيانا عاما في سياق الجدل السياسي الأمريكي، لا رسالة شخصية إلى دونالد ترامب.

الاعتزال ومرض باركنسون

أنهى محمد علي مسيرته الاحترافية بعد نزاله الأخير أمام تريفور بربيك في 11 ديسمبر 1981. بلغ سجله النهائي 61 نزالا: 56 انتصارا و5 هزائم، منها 37 انتصارا بالضربة القاضية أو الفنية.

شُخّص علي بمرض باركنسون سنة 1984. وربطت دراسات عديدة إصابات الرأس الرضية بزيادة خطر الإصابة بباركنسون لاحقا، لكن لا يمكن طبيا الجزم بأن الملاكمة وحدها كانت السبب المباشر لمرضه. لذلك فالصياغة الأدق هي أن التعرض المتكرر لضربات الرأس قد يكون من عوامل الخطر، لا أن إصابته كانت نتيجة مؤكدة للملاكمة.

رغم المرض، ظل علي حاضرا في المجال العام لعقود. ومن أشهر صوره في تلك المرحلة إشعاله الشعلة الأولمبية في افتتاح ألعاب أتلانتا 1996.

في 3 جوان 2016 توفي محمد علي في أريزونا عن 74 عاما بعد مضاعفات صحية حادة. وبقي إرثه أوسع من سجل الانتصارات والهزائم: بطل عالمي ثلاث مرات، ورياضي غيّر صورة الملاكمة، وشخصية عامة ارتبط اسمها بالنقاش حول الحرب والعنصرية والهوية الدينية والحقوق المدنية.

شاهدوا الفيديو الخاص بمحمد علي

المصادر

Muhammad Ali Center — السيرة والخط الزمني ومسيرة الملاكمة والنشاط الإنساني والروحي.
المحكمة العليا الأمريكية — قضية Clay v. United States (1971).
World Boxing Council وWorld Boxing Association وBoxRec — بيانات نزال «Rumble in the Jungle» والحكام.
Parkinson’s Foundation — العلاقة بين إصابات الرأس وخطر الإصابة بمرض باركنسون.

اخترنا لكم