في جنوب غربي بوليفيا، على هضبة الألتيبلانو المرتفعة، يمتد سالار دي أويوني (Salar de Uyuni) على مساحة هائلة من البياض تبدو بلا نهاية. كثيرا ما يوصف في الصور بأنه «أكبر مرآة في العالم»، لكن الوصف الجغرافي الأدق أنه أكبر مسطح ملحي في العالم، وليس مدينة ولا بحيرة دائمة.
وتبلغ مساحته نحو 10,582 كيلومترا مربعا، بحسب وكالة ناسا، ويقع على ارتفاع يقارب 3,656 مترا فوق سطح البحر. ويتميز سطحه بدرجة استواء استثنائية جعلته يستخدم حتى في معايرة بعض أجهزة الأقمار الصناعية.
كيف تشكل سالار دي أويوني؟
تعود قصة المسطح إلى بحيرات ضخمة كانت تغطي أجزاء من هضبة الألتيبلانو خلال عصور ما قبل التاريخ. ومع تغير المناخ وانحسار المياه وتبخرها تدريجيا، تراكمت الأملاح والمعادن في الحوض المغلق على مدى آلاف السنين.
وتوضح ناسا أن القشرة البيضاء تتكون أساسا من الهاليت، أي كلوريد الصوديوم، إلى جانب الجبس ومعادن أخرى. وفي مناطق من السالار تتجاوز سماكة القشرة الملحية عدة أمتار، بينما توجد محاليل ملحية غنية بالمعادن في الطبقات الواقعة أسفلها.
لذلك فإن وصفه بأنه «بحيرة ملحية يتراوح عمقها بين مترين و20 مترا» غير دقيق. ما يراه الزائر معظم السنة هو سطح ملحي صلب، وليس مسطحا مائيا عميقا.
متى يتحول إلى مرآة؟
خلال موسم الأمطار يمكن أن تغطي طبقة رقيقة من المياه أجزاء واسعة من السطح. وبسبب استواء الأرض الشديد، تصبح هذه الطبقة أشبه بمرآة ضخمة تعكس السماء والسحب والنجوم، وهو المشهد الذي جعل سالار دي أويوني واحدا من أشهر مواقع التصوير في العالم.
ولا يغطي الماء المسطح كله بالعمق نفسه ولا طوال السنة. في الموسم الجاف يهيمن اللون الأبيض للقشرة الملحية وتظهر الأنماط السداسية التي تتشكل مع تبخر الرطوبة، بينما يكون تأثير المرآة أكثر وضوحا عندما توجد طبقة مائية رقيقة فوق الملح.
هل يحتوي السالار على «10 مليارات طن من ملح الطعام»؟
تتداول مواقع كثيرة أرقاما ضخمة عن كمية الملح في أويوني، لكن الأفضل التعامل معها بحذر لأن تقدير الحجم الكلي يعتمد على سماكة الطبقات والمنطقة المقاسة. المؤكد علميا أن المسطح يحتوي على احتياطيات هائلة من الهاليت ومعادن أخرى، وأن القشرة الملحية في بعض المناطق يزيد سمكها على 10 أمتار.
كما أن المنطقة معروفة بوجود محاليل ملحية تحتوي على الليثيوم، وهو ما أعطاها أهمية اقتصادية وجيولوجية تتجاوز السياحة.
فندق Palacio de Sal: هل هو مصنوع بالكامل من الملح؟
على أطراف السالار، على بعد نحو 25 كيلومترا من مدينة أويوني، يقع فندق Palacio de Sal الشهير. وتقول إدارة الفندق إن بناءه استخدم أكثر من مليون كتلة ملحية، وإن الملح حاضر في الجدران والسقوف وأجزاء كبيرة من الأثاث والديكور.
لكن من غير الدقيق القول إن «كل شيء» في الفندق مصنوع من ملح الطعام حرفيا؛ فالفندق منشأة حديثة تضم تجهيزات صحية وكهربائية وزجاجا وأقمشة وأجهزة ومكونات إنشائية أخرى لا يمكن أن تكون كلها من الملح.
وتشير صفحة تاريخ الفندق إلى أن المشروع بدأ في أواخر تسعينيات القرن الماضي، ثم نُقل لاحقا من داخل السالار إلى موقعه الحالي على الحافة، بما يسمح بتشغيله بصورة أكثر استدامة وراحة للزوار.
هل يضم الفندق 15 غرفة فقط؟
الموقع الرسمي الحالي للفندق يعرض عدة فئات من الغرف والأجنحة، ولا يقدم نفسه باعتباره منشأة من 15 غرفة فقط؛ لذلك لا يصلح رقم 15 غرفة كمعلومة راهنة عن الفندق.
كما لا تظهر في المصادر الرسمية الحالية رواية تفيد بأن النزلاء يُحذّرون من «الضغط على الجدران خوفا من انهيارها». ما يوجد فعلا هو اهتمام خاص بصيانة البناء الملحي وحمايته من الرطوبة، وهو أمر منطقي في بيئة تتعرض للأمطار وتغيرات الحرارة.
أويوني ليس «مدينة سالار دي أويوني»
من المهم التمييز بين مدينة أويوني، التي يستخدمها كثير من المسافرين نقطة انطلاق للرحلات، وبين سالار دي أويوني، وهو المسطح الملحي نفسه. أويوني مدينة قريبة، أما السالار فهو ظاهرة جغرافية طبيعية واسعة.
لماذا يعد الموقع فريدا علميا؟
إلى جانب جماله البصري، يعد السالار ذا قيمة علمية كبيرة. فسطحه شديد الاستواء والانعكاس، وخصائصه الجيولوجية تسمح للباحثين بدراسة تاريخ البحيرات القديمة وتطور المناخ في الألتيبلانو وترسب المعادن.
وتذكر ناسا أن هذه الخصائص جعلت السطح مناسبا لاختبارات ومعايرة بعض أجهزة الاستشعار الفضائية، لأن المسطحات الملحية الكبيرة والمستقرة تعكس الضوء بطريقة مفيدة للقياسات.

