في قلب مدينة القيروان ما تزال أفران عتيقة تحافظ على طريقة قديمة في إعداد الخبز، حتى أصبح الخبز التقليدي جزءا من هوية المدينة الغذائية إلى جانب المقروض والكفتاجي. وفي هذه الحلقة من برنامج المخماخ دخلنا إحدى أشهر هذه المخابز لمشاهدة طريقة إعداد الخبز القيرواني من العجين إلى الفرن.
«الكوشة العمرانية».. مهنة متوارثة بين الأجيال
ترتبط الحلقة بالمخبزة العتيقة المعروفة في القيروان باسم «الكوشة العمرانية»، التي ارتبط اسمها بصلاح عمرانية وبعائلة توارثت صناعة الخبز التقليدي. وفي تقارير صحفية سابقة قال عمرانية إنه ورث المخبزة عن والده وإنها «مهنة الأجداد» التي يحاول الحفاظ عليها.
وفي تقرير نشره نون بوست سنة 2022، قال صلاح عمرانية إن عمر المخبزة يتجاوز 200 عام، وإنها تحضر نحو عشرة أنواع من الخبز التقليدي باستعمال السميد والشعير والقمح. كما قدمه تقرير تونسي حديث نشرته «الصباح نيوز» في مارس 2026 باعتباره صاحب أقدم «كوشة» في القيروان، ونقل عنه أن المرحوم الشيخ علي البراق كان من ملاك هذه المخبزة في تاريخها السابق.
وتبقى عبارة «أكثر من 200 عام» منسوبة إلى رواية صاحب المخبزة المتوارثة، وليست تاريخ تأسيس مثبتا بوثيقة أرشيفية منشورة.
لماذا يختلف خبز القيروان عن الخبز العصري؟
الاختلاف لا يرتبط بالمكونات وحدها، بل بالفرن وطريقة العجن ووقت الخَبز أيضا. ويؤكد صلاح عمرانية في تصريحات صحفية أن من أسرار النكهة المحافظة على مكونات تقليدية مثل زيت الزيتون والسمن وبعض التوابل، إلى جانب طبيعة الفرن العتيق.
وتصف تقارير عن المخابز القديمة في القيروان هذه الأفران بأنها مبنية بطريقة تسمح للحجارة والمواد التقليدية بالاحتفاظ بالحرارة وتوزيعها داخل بيت النار. وتحتاج العملية إلى خبرة في ضبط حرارة الفرن وموضع كل رغيف ومدة بقائه، وهي تفاصيل يصعب اختزالها في وصفة مكتوبة.
ولهذا فإن عبارة «خبز القيروان التقليدي» لا تشير إلى رغيف واحد فقط، بل إلى مجموعة من الأشكال والوصفات التي تختلف في العجين والسماكة والتوابل وطريقة التشكيل.
ما أشهر أنواع الخبز القيرواني؟
تذكر المصادر المحلية والصحفية أسماء متعددة من خبز الأفران العتيقة، بينها المدور، والمجرح، وخبز الصينية، وخبز السميد، والخبز بزيت الزيتون. كما ترد في تصريحات أصحاب المخابز تسميات محلية أخرى مثل «الشواي» و«المفرشخ».
وتختلف المكونات بحسب النوع. فبعض الأرغفة يعتمد على السميد، وبعضها على القمح أو الشعير، وتضاف في وصفات معينة مكونات مثل زيت الزيتون أو السمن، إضافة إلى توابل وحبوب عطرية مثل حبة البركة والجلجلان والمحلب والقرفة أو حبة الحلاوة بحسب العائلة والوصفة.
ولا توجد وصفة موحدة يجب أن تتطابق معها كل المخابز؛ فالجزء الأساسي من هوية هذا الخبز قائم أصلا على اختلاف الصنعة بين الأسر والأفران.
الخبز جزء من عادات القيروان
لا يتعامل القيروانيون مع هذا الخبز باعتباره منتجا تجاريا عاديا فقط. ففي رمضان، مثلا، يزداد الإقبال على الأفران القديمة قبل موعد الإفطار، وتتحول عملية انتظار خروج الأرغفة الساخنة إلى مشهد يومي معروف في بعض أحياء المدينة.
كما ارتبط الخبز التقليدي بالمناسبات العائلية. وتشير تقارير صحفية إلى أن بعض العائلات كانت تحضر عجينها في المنزل داخل صوان نحاسية ثم ترسله إلى «الكوشة» ليُخبز، وأن أشكالا مختلفة من الخبز كانت ترافق حفلات الزواج والختان والأعياد وغيرها من المناسبات.
وفي مارس 2026 تحدث صلاح عمرانية أيضا عن «خبز العيد»، موضحا أن المخبزة كانت تعد كميات كبيرة منه لعائلات تقدمه هدية، وهو مثال على استمرار البعد الاجتماعي للخبز إلى جانب قيمته الغذائية.
هل ما تزال الأفران التقليدية موجودة؟
نعم. تؤكد تغطيات تونسية حديثة في 2024 و2025 و2026 أن عددا من المخابز العتيقة في القيروان ما يزال يعمل ويحافظ على طرق الخَبز المتوارثة، رغم توسع المخابز العصرية وتغير أنماط الاستهلاك.
وترد في التقارير القديمة أسماء عدة مرتبطة بهذه الصناعة، بينها مخابز عمرانية وبن ناظر وبوفندار وغيرها. وهذا مهم لأن وصف مخبزة واحدة بأنها «الأشهر» أو «الأقدم» يعتمد في جانب منه على الرواية المحلية والشهرة المتداولة، بينما يوجد في المدينة أكثر من فرن عتيق ذي تاريخ طويل.
لماذا يجذب خبز القيروان الزوار؟
القيروان مدينة ذات مكانة دينية وتاريخية كبيرة، ومدينتها العتيقة مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ سنة 1988. ومع السياحة الدينية والثقافية تشكل الأكلات المحلية جزءا من تجربة الزائر، ولذلك ارتبطت زيارة المدينة لدى كثيرين بشراء المقروض والخبز التقليدي وتذوق الكفتاجي.
وتكمن جاذبية الخبز في أنه منتج يمكن للزائر أن يراه ويشم رائحته ويتابع طريقة إخراجه من الفرن، أي أنه يمثل حرفة حية لا مجرد طبق تاريخي محفوظ في الكتب.
ما الذي توثقه حلقة المخماخ؟
تمنح الحلقة صورة مباشرة عن أجواء المخبزة وطريقة العمل داخلها. فالمشاهد يرى شكل الفرن، وكيفية التعامل مع الأرغفة، وطبيعة الخبز الذي يخرج منه، ويسمع الرواية المحلية لأصحاب الحرفة.
شاهد الحلقة: أسرار الخبز القيرواني داخل المخبزة العتيقة
الخلاصة
الخبز القيرواني التقليدي ليس نوعا واحدا ولا وصفة واحدة، بل تراث حرفي تشترك فيه أفران وعائلات متعددة. وتظل «الكوشة العمرانية» واحدة من أشهر الأمثلة على استمرار هذه الصناعة، مع رواية عائلية تضع عمرها فوق 200 سنة وتغطيات صحفية حديثة ما تزال تقدمها ضمن أقدم أفران المدينة.
الأهم من الرقم وحده هو أن طريقة الخَبز نفسها ما تزال حية: فرن عتيق، عجائن مختلفة، زيت زيتون وتوابل وحبوب، وأسماء محلية للأرغفة توارثتها الأجيال. وهذا ما يجعل حلقة المخماخ وثيقة غذائية محلية، لا مجرد فيديو عن مخبزة.

