تقارير

إمبراطورية «بولينا» الغذائية: من مشروع دواجن بـ15 ألف دينار إلى عملاق تعادل معاملاته نحو 2.5% من اقتصاد تونس

Adv

حين يتمّ ذكر اسم «مجمع بولينا في تونس» قد يفكّر التونسي مباشرة في الدجاج أو منتجات «المزرعة»، لكن خلف الاسم توجد اليوم شبكة صناعية ومالية ضخمة تمتد من الدواجن والأعلاف إلى المثلجات والزيوت والمايونيز، ثم إلى السيراميك والحديد والتغليف والتكنولوجيا والسياحة وحتى السيارات والتأمين.

واللافت أن المجموعة التي انطلقت سنة 1967 برأسمال لا يتجاوز 15 ألف دينار أصبحت تحقق معاملات سنوية تتجاوز 4 مليارات دينار وتضم أكثر من مائة شركة وفرع، ما يجعلها واحدة من أكبر المجموعات الخاصة في تونس.

هل تستحوذ بولينا فعلاً على 2.5% من الاقتصاد التونسي؟

الرقم قريب من الواقع، لكن يجب استعماله بدقة.

في سنة 2025 أعلنت Poulina Group Holding عن رقم معاملات إجمالي حسب مؤشرات النشاط بلغ 4.160 مليار دينار، مقابل ناتج محلي إجمالي لتونس قدره 171.642 مليار دينار بالأسعار الجارية. أي أن معاملات المجموعة تعادل حسابياً قرابة 2.42% من الناتج المحلي الإجمالي التونسي.

لكن هذا لا يعني أن بولينا تنتج وحدها 2.4% من الناتج المحلي، لأن رقم المعاملات لا يساوي القيمة المضافة التي يعتمد عليها حساب الناتج المحلي الإجمالي. لذلك فالصياغة الأدق هي: «رقم معاملات بولينا يعادل نحو 2.4% من حجم الناتج المحلي التونسي»، لا أنها «تستحوذ على 2.5% من الاقتصاد».

وحتى داخل بولينا توجد طريقتان لقراءة الرقم: مؤشرات النشاط القطاعية تعطي 4.16 مليارات دينار قبل بعض عمليات الإلغاء المحاسبي داخل المجموعة، في حين بلغ رقم المعاملات الموحّد Consolidé نحو 3.569 مليارات دينار في 2025، مع أرباح صافية موحدة قاربت 205 ملايين دينار.

البداية: دجاجة غيرت تاريخ المجموعة

بدأت الحكاية في 14 جويلية 1967 عندما أسس المهندس الزراعي التونسي عبد الوهاب بن عياد المشروع رفقة مجموعة من الشركاء، برأسمال أولي قدره 15 ألف دينار.

كانت تربية الدواجن الصناعية آنذاك محدودة للغاية في تونس، بل إن استهلاك لحم الدجاج لم يكن بالشكل الذي نعرفه اليوم. وكانت الفكرة في البداية بناء صناعة دواجن حديثة توفر بروتيناً أقل تكلفة من اللحوم الحمراء.

لكن السر الذي حوّل Poulina من شركة دواجن إلى إمبراطورية صناعية كان ما يسمى بالتكامل العمودي.

بدلاً من الاكتفاء بتربية الدجاج، بدأت المجموعة تدخل تدريجياً في كل حلقة من حلقات السلسلة: إنتاج الأعلاف، التفريخ، التربية، الذبح، تحويل اللحوم، التبريد، التغليف، النقل والتوزيع. ثم احتاجت هذه الأنشطة إلى عبوات ومعدات ومواد صناعية وخدمات، فبدأت المجموعة تنشئ شركات جديدة لتوفير جزء متزايد من احتياجاتها بنفسها. وتذكر المجموعة أنها تبنت استراتيجية التكامل العمودي والأفقي منذ بداية السبعينات.

وهنا يمكن فهم «وصفة بولينا»: كلما كبرت صناعة، نشأت حولها صناعة أخرى.

الغذاء ما يزال قلب الإمبراطورية

رغم دخول بولينا عشرات القطاعات، فإن الطعام ما يزال المحرك الأساسي للمجموعة.

في 2025 حقق قطاع الصناعات الغذائية وحده حوالي 1.749 مليار دينار من المعاملات، بينما حقق قطاع التكامل الداجني حوالي 1.149 مليار دينار. أي أن النشاطين معاً يمثلان قرابة 70% من رقم معاملات أنشطة المجموعة.

وهذا يعني أن بولينا ليست مجرد منتج لعلامة غذائية واحدة، وإنما تتحكم في منظومة تبدأ في بعض الحالات من غذاء الحيوان وتنتهي بمنتج جاهز في ثلاجة أو مطبخ المستهلك.

ومن أبرز الأسماء الموجودة داخل هذه المنظومة El Mazraa في الدواجن واللحوم المحولة، وDICK في تربية الدجاج والديك الرومي، وSNA وNutrimix في تغذية الحيوانات والأعلاف، وGreen Label Oil المرتبطة باستخراج زيت الصويا وإنتاج كسبة الصويا، إلى جانب GIPA وMed Oil Company في المنتجات الغذائية واسعة الاستهلاك. وتظهر القوائم المالية الموحدة لسنة 2025 أن PGH تملك نسب سيطرة تقارب 100% في عدد كبير من هذه الشركات.

من «المزرعة» إلى Selja وOla وJadida

واحدة من أهم محطات التحول جاءت سنة 1978 مع إنشاء GIPA – Générale Industrielle de Produits Alimentaires، ما أدخل بولينا بقوة إلى الصناعات الغذائية الموجهة مباشرة للمستهلك.

ومن GIPA خرجت أسماء مألوفة لدى أجيال من التونسيين، أبرزها Selja وOla في المثلجات، قبل أن تتوسع الشركة إلى منتجات الألبان والحلويات والعصائر وغيرها. كما ارتبطت محفظة بولينا الغذائية بعلامات مثل Yab وGolden Chips وLe Pâtissier.

أما Med Oil Company، التي تأسست سنة 1987، فهي الشركة التي تقف خصوصاً وراء علامة Jadida. وتنتج الزيوت النباتية، المارغرين، المايونيز، الصلصات، الدهون النباتية وزيت الزيتون، إلى جانب علامات أخرى مثل Vitalia وFeuilletine وSavoureuse. كما توسعت الشركة في التصدير إلى عدد من الأسواق الإفريقية.

لهذا قد يدخل المستهلك التونسي إلى متجر ويشتري عدة منتجات تبدو منفصلة تماماً، بينما تقف خلف عدد منها شركات تنتمي في النهاية إلى نفس المجموعة.

أكثر من الغذاء: شبكة تمتد إلى عشرات القطاعات

الأمر الأكثر إثارة في نموذج بولينا أن الأموال والخبرات المتأتية من الدواجن والغذاء لم تبق محصورة في القطاع نفسه.

فالمجموعة موجودة في السيراميك ومواد البناء عبر شركات أبرزها Carthago Ceramic، وفي التغليف عبر شركات مثل Unipack وT’PAP وLinpack، وفي الصناعات المعدنية والتحويلية عبر شركات من بينها MBG، كما دخلت في التكنولوجيا ومراكز البيانات عبر Aster وDataXion وAymax، إضافة إلى السياحة والسفر وبعض الأنشطة العقارية والخدماتية.

وفي 2024 كان نطاق التجميع المالي للمجموعة يضم 122 شركة، بينما أظهرت القوائم المالية لسنة 2025 دخول شركات إضافية ضمن محيط المجموعة.

ولبولينا أيضاً استثمارات مؤثرة خارج الشركات التي تسيطر عليها بالكامل؛ ففي نهاية 2025 كانت PGH تسجل استثماراً بطريقة «وضع حقوق الملكية» في Ennakl Automobiles وBH Assurance، إضافة إلى JM Holding، الشركة الأم المرتبطة بـSAH Lilas.

بولينا تدخل أيضاً إلى عالم «Lilas»

في جويلية 2025 أنجزت بولينا خطوة أخرى مهمة عبر الاستحواذ على 45.48% من JM Holding، وهي الشركة التي تملك الحصة المرجعية في SAH Lilas. وتُعادل هذه المشاركة بصورة غير مباشرة قرابة 30% من SAH، ما وسّع نفوذ المجموعة إلى قطاع منتجات النظافة والعناية الشخصية.

وهو مثال واضح على تحول Poulina من مجموعة صناعية متخصصة إلى ما يشبه شركة استثمار صناعية ضخمة تبحث باستمرار عن قطاعات يمكن إضافتها إلى شبكتها.

والهدف القادم قد يكون الجبن

الأكثر إثارة حالياً هو ملف Land’Or.

ففي فيفري 2026 قدمت Poulina عرضاً أولياً للاستحواذ على حصة الأغلبية التي يملكها صندوق Maghreb Private Equity Fund IV في مجموعة Land’Or، أحد أبرز المصنعين التونسيين للجبن ومشتقاته.

ثم انتقلت العملية في 10 أوت 2026 إلى مرحلة أكثر جدية عندما قدمت PGH عرضاً ملزماً يستند إلى تقييم إجمالي لحقوق ملكية Land’Or بحوالي 204.8 ملايين دينار، أي 14.860 ديناراً للسهم. العملية ما تزال مسار استحواذ ولم تصبح Land’Or حتى الآن شركة تابعة لبولينا، لكن إتمامها سيضيف قطعة مهمة جداً إلى الإمبراطورية الغذائية للمجموعة.

وفي الوقت نفسه أعلنت PGH نيتها إعادة تنظيم قطبها الغذائي في هيكل مستقل نسبياً وفتح جزء من رأسماله في بورصة تونس، في خطوة قد تجعل النشاط الغذائي للمجموعة أكثر وضوحاً للمستثمرين وتمنحه قدرة أكبر على التمويل والتوسع.

ماكينة لا تزال تكبر

الأرقام الأخيرة تشير إلى أن التوسع لم يتوقف. خلال الأشهر الستة الأولى من 2026 وصلت معاملات المجموعة إلى 2.118 مليار دينار، بارتفاع قدره 7.9% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

والأهم أن استثمارات بولينا خلال نصف سنة فقط بلغت 143.5 مليون دينار، أي أكثر من ضعف استثمارات الفترة نفسها من العام السابق، مع توجيه مبالغ كبيرة خصوصاً إلى الدواجن والصناعات الغذائية.

كيف بنت بولينا هذه الإمبراطورية؟

قوة بولينا لا تأتي فقط من امتلاك علامات مشهورة، بل من السيطرة على أجزاء متعددة من سلسلة القيمة.

حين تنتج المجموعة الأعلاف، وتربي الدواجن، وتذبحها، وتحول اللحوم، وتصنع بعض مواد التغليف، وتمتلك شركات نقل وتوزيع وخدمات وتكنولوجيا، فإنها تقلص اعتمادها على الموردين الخارجيين وتحتفظ بجزء أكبر من القيمة داخل المجموعة.

ولهذا تحولت شركة بدأت بهدف تطوير تربية الدواجن في تونس إلى شبكة صناعية تضم أكثر من مائة شركة وتبيع منتجاتها في أكثر من 30 بلداً وتشغل قرابة 10 آلاف شخص بحسب بيانات المجموعة.

بولينا اليوم لم تعد مجرد شركة غذائية تونسية؛ إنها منظومة اقتصادية متكاملة. ومن المزرعة والأعلاف إلى المثلجات والزيوت والمايونيز، ومن السيراميك والتغليف إلى السيارات والتأمين والتكنولوجيا، يصعب العثور على مجموعة خاصة أخرى في تونس تمتلك هذا القدر من التشعب داخل الاقتصاد.

والأرقام تلخص حجم الظاهرة: 4.16 مليارات دينار من المعاملات في 2025، نحو 205 ملايين دينار من الأرباح الموحدة، و2.1 مليار دينار أخرى من المعاملات في النصف الأول من 2026 فقط.

والسؤال بعد مشروع الاستحواذ على Land’Or ليس فقط: إلى أي حجم يمكن أن تصل بولينا؟ بل أيضاً: كم منتجاً يشتريه التونسي يومياً دون أن يعلم أن الشركة الموجودة خلفه تنتمي في النهاية إلى نفس الإمبراطورية؟

Adv

This post was published on 2026-09-01 13:59