هل يأكل الصينيون فعلا «كل شيء»؟
لا. هذه صورة نمطية شائعة أكثر مما هي وصف حقيقي للمطبخ الصيني. الصين بلد قاري واسع يضم مطابخ إقليمية متعددة جدا، من سيتشوان وكانتون إلى شاندونغ وجيانغسو وغيرها، وتعتمد الأغذية اليومية لمئات الملايين أساسا على الأرز والقمح والخضروات والبقول ولحوم الخنزير والدواجن والأسماك ومنتجات الصويا.
صحيح أن بعض المناطق والأسواق عرفت تاريخيا استهلاك أنواع من الحيوانات البرية أو غير المألوفة في مطابخ أخرى، لكن تحويل هذه الممارسة إلى صفة لكل الصينيين مضلل. حتى داخل الصين نفسها، لا تُعد هذه الأطعمة جزءا من النظام الغذائي المعتاد لمعظم السكان، كما أن القوانين المنظمة للحياة البرية تغيّرت بشكل كبير بعد 2020.
من أين جاءت صورة «الأطعمة الغريبة» في الصين؟
هناك عدة عوامل تاريخية واقتصادية وثقافية تفسر وجود تجارة للحيوانات البرية في أجزاء من الصين. بعض الأنواع استُخدمت كغذاء محلي أو كرمز للترف، وبعض المنتجات الحيوانية دخلت في وصفات من الطب الصيني التقليدي. لكن وجود هذه الممارسات لا يعني أن كل ما يستخدم في الطب التقليدي يؤكل كطعام، ولا أن فوائده العلاجية مثبتة علميا.
وتشير أبحاث منشورة في دورية Nature إلى أن منتجات حيوانية مثل جيلاتين جلد الحمار وبعض مشتقات أنواع مهددة استُخدمت في ممارسات الطب التقليدي، مع وجود مخاوف بيئية وعلمية حول الاستدامة وقوة الأدلة على عدد من الادعاءات العلاجية.
الحيوانات البرية وأسواق ووهان قبل الجائحة
أظهرت دراسات ميدانية لاحقة أن حيوانات برية حية أو مذبوحة حديثا كانت تُباع في أسواق بمدينة ووهان قبل اندلاع الجائحة، ومن بينها أنواع قادرة بيولوجيا على التقاط فيروسات كورونا. ووجدت تحليلات جينية لاحقة آثارا لأنواع مثل كلاب الراكون وجرذان الخيزران وزباد النخيل في عينات بيئية من سوق هوانان.
لكن هذه النتائج لا تعني أن العلماء أثبتوا أن حيوانا بعينه نقل فيروس SARS-CoV-2 إلى الإنسان. ففي تقييمها المستقل الصادر في يونيو 2025، قالت المجموعة الاستشارية العلمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية إن ثقل الأدلة المتاحة يرجح انتقالا حيوانيا المنشأ، سواء مباشرة من الخفافيش أو عبر عائل وسيط، مع التأكيد أن بيانات أساسية ما تزال غير متاحة وأن الأصل النهائي لم يُحسم بصورة قطعية.
هل ثبت أن «أكل الخفافيش» تسبب في كوفيد-19؟
لا. لا توجد أدلة علمية تثبت أن شخصا أصيب بكوفيد-19 لأنه أكل خفاشا أو أن طبق خفافيش كان نقطة انطلاق الجائحة. هذه الفكرة انتشرت بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي في بدايات الوباء، واختلطت بمقاطع فيديو صُورت أحيانا خارج الصين أو في سياقات مختلفة.
ما يبحث فيه العلماء هو احتمال انتقال فيروس من حيوان حي أو من سلسلة تجارة حيوانات إلى البشر، وهو مسار مختلف تماما عن القول إن «تناول لحم حيوان غريب» تسبب مباشرة في الوباء. كما لا يزال تحديد النوع الحيواني الوسيط – إن وجد – مسألة غير محسومة.
ماذا فعلت الصين بعد 2020؟
في فبراير 2020 اتخذت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب قرارا لتشديد القيود على الاتجار غير القانوني بالحيوانات البرية وحظر استهلاك الحيوانات البرية البرية لأغراض غذائية على نطاق أوسع. ثم عُدّل قانون حماية الحياة البرية في 2022 ودخلت قواعده المحدثة حيز التنفيذ لاحقا.
وينص القانون الصيني الحالي على حظر أكل الحيوانات البرية المحمية وطنيا، وكذلك الحيوانات البرية البرية ذات القيمة البيئية أو العلمية أو الاجتماعية، ويحظر صيدها أو الاتجار بها أو نقلها لغرض الأكل. كما يمنع المنصات والأسواق والمطاعم من توفير خدمات لعمليات بيع أو شراء أو استهلاك غير قانونية.
وتوجد بذلك نصوص قانونية واضحة تمنع استهلاك فئات واسعة من الحيوانات البرية وتفرض عقوبات على المخالفات.
هل انتهت تجارة الحيوانات البرية تماما؟
ليس بالضرورة. وجود قانون لا يعني اختفاء السوق غير القانونية أو كل أشكال الاستعمال. كما يسمح القانون في بعض الحالات باستخدام حيوانات أو منتجات حيوانية لأغراض غير غذائية، مثل البحث العلمي أو التربية المرخصة أو بعض الاستخدامات الدوائية، ضمن شروط وتصاريح ورقابة محددة.
وتظل هذه المسألة محل نقاش بين الصحة العامة وحماية التنوع البيولوجي والتقاليد والاقتصاد. فدراسة نشرتها Nature في 2024 عن حيوانات مزارع الفراء في الصين وجدت عددا كبيرا من الفيروسات، بينها فيروسات ذات قابلية محتملة للانتقال بين الأنواع، وهو ما يدعم أهمية الرقابة الصحية الصارمة على تربية الحيوانات وتجارتها بصرف النظر عن استخدامها الغذائي.
لماذا يجب تجنب التعميم على «الصينيين»؟
ربط شعب كامل بمجموعة صغيرة من الأطعمة غير المعتادة يختزل واقعا شديد التنوع، كما قد يتحول بسهولة إلى وصم ثقافي. الأدق صحفيا هو الحديث عن تجارة الحيوانات البرية في أجزاء من الصين أو بعض الممارسات الغذائية المحلية بدلا من القول إن «الصينيين يأكلون كل شيء».
كما أن المخاطر الصحية المرتبطة بالأمراض الحيوانية المنشأ ليست ظاهرة صينية. انتقال مسببات الأمراض بين الحيوانات والبشر يمكن أن يحدث في أسواق أو مزارع أو سلاسل غذاء في دول كثيرة، ولهذا تركز الهيئات الصحية الدولية على مفهوم «صحة واحدة» الذي يربط صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
الخلاصة
المطبخ الصيني أوسع بكثير من الصور المثيرة التي تتداولها منصات التواصل. نعم، توجد في الصين خلفية تاريخية وتجارية لاستهلاك بعض الحيوانات البرية واستخدام منتجات حيوانية في الطب التقليدي، لكن هذه الممارسات لا تمثل جميع الصينيين، كما أن التشريعات بعد 2020 شددت حظر استهلاك أنواع واسعة من الحيوانات البرية.
أما عن كوفيد-19، فحتى 2026 لا يوجد أساس علمي للقول إن «أكل الحيوانات الغريبة» هو سبب الجائحة. أحدث تقييم رئيسي لمنظمة الصحة العالمية يرجح انتقالا حيوانيا المنشأ استنادا إلى الأدلة المتاحة، لكنه يؤكد أن السؤال لم يُحسم نهائيا بسبب نقص بيانات أساسية.
شاهد فيديو الموندو
يتناول الفيديو التالي النقاش الذي رافق بدايات جائحة كوفيد-19 حول الحيوانات البرية والممارسات الغذائية:

